|
نبذة عن حياة الفقيه:
في إطار جمع ونفض الغبار على تاريخ
مدينة الأغواط ونواحيها، وحرصا منا على البحث والتعريف
بالشخصيات البارزة في منطقتنا، رأت المجلة أن تعرف
قراءها بشخصية الفقيه والمحدث ومترجم القرآن إلى
الفرنسية وأحد الشخصيات التي كان ابن باديس رحمه الله
يقدرها ويجلها أنه المرحوم سي عويسي أحمد، وأخذنا هذا
الموضوع عن جريدة العلم المغربية دون أن نغير منه
شيئا، ونشكر الأخ بولفعة محمد على إمداده لنا هذا
الموضوع .
طوى الموت بين دفتيه عالما جليل ومحدثا
نابها بعد عمر يناهز مائة وعشرين من السنين ليلة
المولد النبوي الشريف، عاش وهو يتعبد ويتهجد بالقرآن
الكريم ومات رحمة الله عليه وهو يتمتم بآيات بينات
منه، ذلكم هو العالم الفاضل احمد بن محمد التجاني ولد
في بلدية عين ماضي على بعد خمسمائة كيلومتر جنوب غربي
الجزائر العاصمة، نسبة إلى بني ماضي من قبيلة بني سليم
عام 1291 هـ سنة 1874 م والبلدة معروفة بكونها مركز
علم ودين مشع على الصحراء كلها وان كانت شهرتها مرتبطة
كذلك بكونها مقر الزاوية الآم التي أسسها دفين فاس.
وكلمة التجاني منسوبة إلى تيجانة وهي قرية من المدينة
المنورة وإلتيجانيون من سلالة شريفة انتقلوا مع
الفتوحات الإسلامية إلى الآندلس حيث استقروا في
مدينة سرقسطة . وبعد خروج المسلمين من
الأندلس التجأت عائلات منهم إلى المغرب والتجأت عائلات
أخرى إلى عن ماضي بالجزائر .
حفظ المرحوم كتاب الله بمسقط رأسه ثم
انكب على قرأة الأجرومية فنال منها القسط الوافر ثم
التحق بمدرسة حكومة حيث كانت الدراسة بالفرنسية وحدها،
فنال الشهادة الابتدائية وألزمته الظروف بتعلم القرآن
الكريم والنحو والصرف بالقرى المجاورة، وهو صغير السن
وكان
يرغب في الالتحاق بجامع الزيتونة بتونس
ألا أن البعد وقصر اليد حالا دون ذلك وحببت إليه
الدراسة بالمدرسة الثعالبية بعاصمة الجزائر وقد بلغ
الثامنة
عشرة من عمره وفيها أتم دراسته
الثانوية بتفوق في المواد الفرنسية وفي
المواد
العربية من البلاغة وبيان وبديع وتوحيد وآداب .
وبعد نيل دبلوم قاضي عن عادلا بإحدى
المدن بعمالتي قسنطينة والجزائر، واستحق لقب باشا من
أصل تركي معناها ممتاز وذلك ليصبح
قاضيا بعد ثلاث أو أربع سنوات لكن
أفكاره الدينية وسلوطه المضادة للإستعمار لفتا إليه
أنظار السلطات الفرنسية فنفي إلى مسقط رأسه، وضرب عليه
الإقامة الجبرية وزار الوزير المغربي الجباص الجزائر
سنة
1915،
باحثا عن تراجمة يحسنون اللغتين للعمل بسلك الإدارة
المغربية فكان من جملة من اقترحوا لا اعترافا مقدرته
فحسب بك رغبة في إبعاده
عن
القطر الجزائري. ذلك في نظر السلطات الاستعمارية نوع
من النفي وبدأ يعمل في إدارة الشؤون الشرفية برباط
الفتح وكانت الإقامة العامة
الفرنسية في علاقتها
بالقصر الملكي لا تختار من الترجمة إلا اللبنانيين
المسحيين
أو بعض من تثق فهم من غيرهم إلا أن مدير الشؤون
الشرفية اضطر تلافيا لما يجده في الترجمة من خلال عند
هؤلاء إلى أن سر
يستصحبه
معه إلى القصر اعترافا بتضلعه في
اللغتين .
ولمس المولى يوسف رحمه الله بلاغته
العربية المتشبعة بروح القرآن فهجس له ( أنت منا
وإلينا يا فقيه ) وكانت تلك انطلاقة إلى تعيينه
مؤدبا للأمراء المرحومين المولى إدريس
والمولى الحسن وجلالة الملك محمد الخامس .
وقد اجتهدت السلطات الفرنسية في إبعاده
من القصر العامر بعد وفاة المولى يوسف سنة 1927 وعلقت
نفس السلطات بعضويته في جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين واتصاله المتين بالمرحوم عبد الحميد بن
باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي ومبارك
الميلي، وتسخير يراعه للتحرير في صحف الإصلاح
(الشهاب) و (البصائر) بإمضاء مستعار هو أبو العباس
أحمد الهاشمي وقد وضع المرحوم اسمه الشخصي بين اسمي
ابنين له جد معروفين في الرباط بنشاطهما الرياضي
وعداوتهما للاستعمار وابعد التجاني إلى مراكش حيث قضى
بها سنتين وثم نفيا إلى أسفي وبعد ذلك إلى الدار
البيضاء ولم يعد إلى إدارة الشؤون الشريفة بالعاصمة
إلا قبيل إحالته على المعاش ببضعة أشهر .
وأرغم ابناه عباس والهاشمي على الخدمة
العسكرية، وأطلق سراحهما بعد سنة ونصف من هزيمة فرنسا
في الحرب العالمية الثانية، ونودي بهما ثانيا بعد نزول
القوات الأمريكية بأفريقيا الشمالية سنة 1943
إلا أنهما رفضا الرضوخ والتجأ إلى
مولاي الحسن فقضيا به أربع سنوات إلا أن أباهما آنذاك
بقي على اتصال بجلالة
المرحوم محمد الخامس ولم يزل رحمه الله يسعى من أجل
تحريرهما لدى الجنرال لوكول وابتلى التجانى من جديد
بعد أن عمل ابنه الهاشمي بحزب الاستقلال وجريدة العلم
واتصل في القاهرة بمكتب المغرب المغرب العربي ثم نفى
من المغرب من طرف القائد الفرنسي للقوات المسلحة .
أثناء الأزمة الكبرى التي قامت بين
القصر والإقامة كان التيجانى عضدا متينا لجلالة الملك
محمد الخامس وجاء نصر الله والفتح وتوجت مقاومة الملك
والشعب بالاستقلال فتمسك جلالة الملك محمد الخامس
بأحمد التجانى واستصحبه معه إلى مدغشقر وأواسط إفريقيا
والشرق العربى وأوربا وقام بأداء فريضة الحج بعد أن
عينه الملك الراحل في الوفد المغربى الرسمي للأراضي
المقدسة ، كما اعتمر مع محمد الخامس أثناء رحلته إلى
الشرق العربي .
وخلال زيارته إلى سويسرا عرج على
الفاتكان والتقى بكبار الأساقفة
بها، ودارت بينهم وبينه مناقشات تناولت القرآن الكريم
والإنجيل وما يقوله القرآن في سيدنا عيسى عليه السلام
وأمه مريم، وفي سنة 1960 استدعي من طرف جمعية التسلح
الخلقي العالمية بالولايات المتحدة حيث ألقى عنه
محاضرات .
ومن أبرز أعمال المرحوم ترجمته للقرآن
الكريم ومنذ 1936 وطبعات هذه الترجمة الفريدة تتجدد.
بقلم : أبى عمر محرر بجريدة العلم
المغربية
الصادرة بتاريخ : 26 ربيع الأول 1401
هـ
الموافق لـ : 02 فبراير 1981 م
|