|
وقد
سعت هذه الطرق ومن بينها الطريقة الشاذلية
الدرقاوية إلى دفع المجتمع التقليدي المتقوقع على
نفسه في غالبيته إلى الانفتاح على الثقافة الأوسع وعلى
الفهم الشمولي للأمة الواحدة.
ولعل سر هذا التغيير يكمن في سببين رئيسيين:
-أولهما
: جعل الانتماء الروحي يهيمن على الانتماء القبلي
أو العرقي. و يفوق كل الاعتبارات وبهذا استطاعت الطرق
أن تمحو شيئا فشيئا الأحقاد الناجمة عن الصراعات
الداخلية قصد الزعامة والنعرات القبلية المعهودة و
توحيد صفوف بني الأغواط.
-ثانيهما: إزالة الفروق الاجتماعية التي لا يخلو
منها أي مجتمع قديم أو حديث، فأصبح الغني والفقير
يجلسان جنبا إلى جنب داخل الحلقة واحدة، وصار المعيار
الوحيد الذي يقاس به الفرد علمه وصلاحه وتقواه لا غير،
وهذا جوهر الدين «إن أكرمكم
عند الله أتقاكم».
كما
أنها أولت اهتماما كبيرا للجانب الأخلاقي الذي يعد من
ركائز المجتمع الإيماني وأساسا من أسس التربية
الروحية. والأخلاق في النظر الصوفي ليست قطعا تلك
العادات الاجتماعية الموروثة عن الأسلاف، تجمدت مع مر
العصور وليست أيضا كما يراها بعض الفلاسفة، وسيلة
الغرض منها متعة النفس ومصالحها. بل الأمر أزكى وأسمى
من ذلك كله.
باختصار شديد فالأخلاق تمثل مظهرا ساميا من مظاهر
العبودية الخالصة لوجه الله التي لا تتحقق إلا بدوام
مشاهدة الحق سبحانه.
-مساهمتها في الجانب الثقافي
-دورها التعليمي
الكل يعلم أن مدينة الأغواط كانت تعيش في شبه عزلة
ثقافية بسبب بعدها عن العواصم الثقافية آنذاك، ولم يرد
أنها كانت تحتوي على مكتبات عمومية مجددة أو مدارس
تنشر مختلف علوم العصر. فحلت الزاوية محل المؤسسة
التعليمية وأضافت إلى دورها التربوي الروحي المحض دورا
ثانيا لا يقل شأنا عن الأول يتمثل في الترقية الثقافية
مع إعطاء الفرص لكل فرد من المجتمع في التعلم .
*ولا شك أن التربية والتعليم يعدان من مقدمات
الثقافة، يستحيل بدونهما بناء ثقافة راقية بمفهومها
الواسع، واهتمام الزاوية بهذه الثقافة التحضيرية يرجع
إلى عدة أسباب منها:
*كلما مرت الأمة بأزمات (حروب، استعمار . ..) وتعطلت
المؤسسات المخصصة لهذا الغرض من مدارس وجامعات.
الافتقار التام الذي يميز بعض المناطق الريفية
والصحراوية لمثل هذه المؤسسات التعليمية فرض على
الزوايا الاهتمام بهذا الجانب وبالتالي فهي قد سدت
الفراغ وعوضت النقص. فعلى سيبل المثال نذكر الدور الذي
لعبته الزاوية الشاذلية في هذا الجانب حيث
نراها فتحت بابها على مصراعيه وخصصت حصصا يومية منصبة
أساسا على:
-
تحفيظ القرآن الكريم، مع التفسير المعتمدة (القرطبي
_الصاوي...).
_
حفظ الحديث مع الشروح من الكتب المعتمدة، كموطأ مالك،
وصحيح الأمام البخاري وصحيح الإمام مسلم والأربعين
النووية.
الفقه المالكي وكان يدرس بالتدرج فيبدأ الطالب بمتن
ابن عاشر مع شرحه (الميارة الكبرى والصغرى) ثم ينتقل
إلى رسالة ابن أبي زيد القيرواني وينتهي إلى مختصر
خليل بن إسحاق.
_
متون العقيدة الأشعرية.
_
اللغة العربية ويقصد بها المبادئ الأساسية في النحو
والصرف.
وكانت طريقة التدريس المنتهجة تتم حسب مرحلتين:
_
حفظ المتون والكتب حفظا دقيقا يجعل الطالب بمثابة
مكتبة ناطقة
-
فهمهما بصفة مملة على يد شيخ مختص.
وبعد هذا فعلى الطالب إن رغب في توسيع دائرة معارفه
الالتحاق بالجامعات المنتشرة عبر العالم الإسلامي (
القراويين، الزيتونة، الأزهر الشريف...)، والاحتكاك
بالعلماء أو التوغل بطرقة عصامية في دراسة الكتب
الشاملة.
دورها التربوي الروحي:
وبجانب هذا التعليم الذي كان موجها إلى كل فئات
المجتمع الأغواطى والذي نجح نجاحا بارزا في تكوين
شخصيات بارعة مثل ابن الدين الحاج عيس صاحب (الرحلة)
المشهورة والقاضي إسماعيل، كان نوع آخر من التعليم
ينحصر في التربية الروحية وفق تقاليد التصوف السني
تختص به جامعة معينة يمكن أن يطلق عليها مصطلح النخبة
أو الخاصة إذا علمنا أنها زيادة على التعليم الذي
يستفيد منه الجميع، صارت من خلال قراءاتها ومجالسها
الخاصة تحتك بالفكر الصوفي السني العريق وتتوغل فيه
إلى حد بعيد .
ومن
آثار هذا التعليم نكتفي بذكر نقطتين هامتين وهما:
_اتساع الأفق الثقافي لدى بني الأغواط الذين أصبحوا من
خلال مطالعاتهم وندواتهم الفكرية المعهودة يلقون بأبرز
الشخصيات الصوفية كالإمام الجنيد والإمام أبي حامد
الغزالي والشيخ محي الدين بن العربي وغيرهم. . . وتكون
تدريجيا شعور الانتماء إلى تاريخ ثقافي مشترك وفضاء
عقائدي واسع .
_
الاهتمام البالغ بتكوين مكتبات خاصة تضم كتبا قيمة ذات
مستوى ثقافي عالي تعتبر من أمهات كتب التصوف ونذكر من
بينها:
*
الرسالة القشيرية للإمام القشيري .
*
كشف المحجوب لأرباب القلوب، للإمام الهجويري .
*
مؤلفات الإمام عبد الوهاب الشعراني .
*
الحكم العطائية، لابن عطاء الإسكندري .
*
الرعاية لحقوق الله، للإمام الحارث المحاسبي .
*
الإبريز، للشيخ عبد العزيز الدباغ .
*
إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد الغزالي .
الإبداع الأدبى :
إن
ملكة اللغة العربية والمصطلحات الصوفية وتذوق الشعر
الصوفي الرفيع وتكوين حس مرهف والخروج من قوقعة الهموم
اليومية والتطرق إلى قضايا فكرية سامية شكلت مع الوقت
رصيدا معتبرا مكن نخبة من بني الأغواط من التعبير عن
أحاسيسهم ووجداناتهم وصياغاتها في قوالب جمالية راقية
.
واستعملت لهذا الغرض تارة الفصحى وتارة اللغة
المتفاصحة وهي مزيج من الفصيحة والعامية وكذلك اللهجة
العامية البحتة . وهذا الإبداع الأدبي يتمثل أساسا في
إنتاج قصائد شعرية منها ما وعته الذاكرة ومنها ما دون
وتوارثته الأبناء والأحفاد.
ويمكن تصنيف هذا الإنتاج حسب المواضيع التالية :
-قضايا في التوحيد
-مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-التربية الروحية .
-مدح شيخ أو الطريقة .
-خمريات .
ونذكر على سبيل المثال قصائد ابن الدين الحاج عيسى
الذي كان ينتمي إلى الطريقة الشاذلية الدرقاوية
وتتلمذ على يد الشيخ موسى بن حسن المصري وقصائد حفيده
الشيخ الحاج عيسى عيسى (المتوفى سنة 1977م) الذي انضم
هو بدور إلى الطريقة الشاذلية الحبيبية.
وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ ابن الدين بلغ مبلغا روحيا
عاليا وقد ساهم مساهمة كبيرة في إثراء المنهج الصوفي،
ومن مؤلفاته (الرحلة) المشهور التي قام بها من مدينة
الأغواط إلى أرض الحجاز، وقد تحدث عنها الدكتور أبو
القاسم سعد الله ووصفه بالرحالة البارع كما قام بنشر
هذه الرحلة التي تعد من أبرز رحلات القرن الماضي .
تربية
الذوق الفني :
من
الأخطاء الشائعة أنه تنسب إلى مدينة الأغواط ثقافة
موسيقية _وإن صح التعبير_ تتسم بالطابع البدوي فقط،
والحقيقة أن الأمر ليس على هذا المنوال إن الشيخ موسى
بن حسن المصري الأصل و لد بدمياط 1787م وأخذ الطريقة
عن شيخ مصر أولا ثم عن الشيخ الظافري المدني الليبي
تلميذ الشيخ العربي بن أحمد الشريف الدرقاوي المغربي،
نقل إلى مدينة الأغواط تراثا هائلا من شتى أنحاء
العالم الإسلامي مصر، تركيا، سوريا... وتعتبر الألحان
التي تؤدى بها القصائد في مجالس السماع جزءا من هذا
التراث .
والمعلوم أن بعض الطرق الصوفية من بينها الطريقة
الشاذلية تستعمل السماع أو الحضرة كما سماه
بنو الأغواط فيما بعد قصد :
_
الترويح عن النفوس من تعب المجاهدة .
_
التربية الروحية من خلال قصائد هادفة .
_
تسهيل حفظ متون الفقه والعقيدة .
_
إثارة الحال وإيقاظ الهمم .
وهذه القصائد التي قال عنها من فهم مغزاها: "إنها
بمثابة دروس قيمة في التوحيد والتربية الروحية وإنارة
طريق السير إلى الله تعالى". والمنظومات محررة باللغة
العربية الفصيحة، مثل قصائد بن الفارض وعبد الريم
البرعى وعبد الغني النابلسي وغيرهم. وتأدية هذه
القصائد تتطلب معرفة المطبوع والمقامات الشرقية
والأندلسية الراقية التي جلبتها الطريقة الشاذلية من
مصر وغرب الجزائر، وتوصل في بعض الأحيان مريدوا هذه
الطريقة إلى المزج بين هذه الطبوع والمقامات مزجا يتسم
بالانسجام التام مما أضفى على نغمية الإنشاد والمديح
روعة نقلت التذوق من جيل إلى جيل .
-
الجانب السياسي:
دورها في المقاومة المسلحة :
أما
فيما يتعلق بالجهاد والدفاع عن ثوابت الأمة الإسلامية
فتاريخ الطرق الصوفية حافل بالمشاهد البطولية قديما
وحديثا .
وعلى غرار أسلافهم والطرق المنتشرة عبر الوطن، دعا
رجال التصوف من بني الأغواط إلى محاربة الجيش الفرنسي
وخرج الشيخ مرسى بن حسن مع مريدي الطريقة الشاذلية سنة
1931م لموجهة العدو المستعمر إلى أن وصل إلى مدينة
المدية لكن نشب بينه وبين الأمير عبد القادر سوء تفاهم
بفعل وشاية .
وأعاد الكرة سنة 1848 م إلى جنب الشيخ بوزيان، الجد
الجامع لعائلات بوزيان الأغواطية، في مقاومة "الزعاطشة"
المشهورة حيث تحقق لهما الاستشهاد في سبيل الله مع
أتباعهما وكان ضمن جنود الشيخ موسى بن حسن الشيخ
المبروك جد عائلة عزوزي .
وفي
سنة 1852م، تاريخ احتلال مدينة الأغواط، كانت الزاوية
الشاذلية من بين الدعاة للمقاومة المسلحة ودخلت
المعركة بكل ما أعدته للعدو من قوة .
دورها أثناء فترة الاحتلال أو المقاومة الثقافية :
ولم
تبق الطريقة الشاذلية الدرقاوية الموساوية على
حياد أثناء فترة الاحتلال المظلمة، لقد ساهمت إلى حد
بعيد في الحفاظ على مقومات الشخصية الجزائرية
الإسلامية، وسجل لها التاريخ مواقف صارمة وشجاعة لا
يعتريها أي لبس ومن أبرزها :
_
رفضها القاطع للتعامل مع الإدارة الاستعمارية :
_
عدم التعامل مع أي جزائري يمارس نشاطا داخل مؤسسات
الاستعمار من إدارات وجيش.
_
مطلبتها لأتباعها مقاطعة المدرسة الفرنسية .
وثبت عن الشيخ أبي بكر بن موسى، شيخ هذه الطريقة خلال
الفترة المذكورة، أنه لم يقابل في حياته أبدا ولو
فرنسيا واحدا من الذين حاولوا التقرب إليه، وهذا ما
أكدته المجلة الإفريقية Revue Africaine.
وتحول نشاط الزاوية إلى مقاومة ثقافية استطاعت بفضلها
أن تضمن لهذا الشعب المسلم سلامة هويته وأن تنقذه من
المسح والمسخ الثقافي الثقافيين الذين اعتمدتهما فرنسا
كوسيلة من وسائل الاحتلال، فبعد احتلال الأرض حاولت
احتلال العقل والفكر .
ومن
أهم ما يمكن ذكره باختصار شديد في هذا المجال :
_
تصدي الزاوية الشاذلية لعملية التنصير التي تزعمها "لفيجري"
La Vigerie وأعوانه والتي باءت بالفشل التام ولم يشهد
التاريخ أن أحدا
من
بني الأغواط حاد عن أصله أو أعتنق دينا غير الإسلام
رغم الفقر الشديد وتسلط الإدارة الاستعمارية، وكان "لفيجري"
يرى أن المسيحية غير الإسلام هي الدين الأصلي للشعب
الجزائري ولابد من مساعدة هذا الشعب على استرجاع عقيدة
أسلافه ولكن شاء الله أن يظهر دينه على الدين كله .
_
الحفاظ على مقومات الشخصية الإسلامية- من لغة ودين- في
ظروف صعبة والوقوف في وجه تيار جارف كاد أن يجر الأمة
إلى الهاوية لولا فضل الله و رحمته .
_
جعل الفروق الثقافية (دين، لغة، ملبس...) رموزا تثبت
الهوية وبالتالي مخالفة المستعمر فى كل مظاهر الحياة .
وتفطنت فرنسا مبكرا إلى الخطر الذي تمثله الزوايا
فقررت غلق البعض منها وتقليص نشاط البعض الآخر وضربت
عليها رقابة شديدة .
الدعوة
الأخرى:
ومن
جهة أخرى، يلاحظ من أمعن النظر أن للطرق الصوفية دعوة
سياسية غير معلنة أبت أن تجهر بها حفاظا على استقرار
المجتمع واتقاء للفتنة وتتمثل هذه الدعوة في إعطاء
الولاء لآل البيت وتسليم القيادة لهم معنويا، وبهذا
استطاعت أن تحقق لهم نوعا من الخلافة الروحية، معوضة
بذلك ما حرموه منها بسبب أطماع الطامعين .
وأصبحت فعلا للعترة النبوية سلطة روحية على القلوب
مستمرة عبر الأجيال متصلة الأمداد لا يمكن لأحد أن
ينازعهم فيه . ولأبطال هذه الدعوة، استعمل بعض الحكام
ألسنة فقهائهم وأقلام علمائهم قصد تمويه الحقيقة
وتضليل الأمة . وقتل أعلام من رجال التصوف بسيف
الشريعة كما قيل، ولكن كان قتلهم سياسيا لا غير.
مساهمة الطرق الصوفية في إثراء المنطقة
مقالات في التاريخ الثقافي لمدينة الأغواط
جمع وتنظيم وتنسيق خالد بوزياني
أعمال الملتقى الأول 14-16 أفريل 1998م |