رسالة من الشيخ الإبراهيمي إلى أبي بكر الأغواطي

في تاريخ 9 شوال 1359 من منفاه بمدينة آفلو

 

 
 

 

وصلتني رسالة ولدي و خالصتي الفيلسوف و ما هي برسالة و إنما هي جعبة أخبار و كنانة أفكار و كانت فيها لبصري إنارة و لبصيرتي عمارة فتلقيتها تلقي عرابة الأوس راية المجد باليمين إذ كان كاتبها عندي ممن لا يتزيد و لا يمين و كان الثغر الذي قصده بالرحلة و خصصه بالثقلة من الثغور التي يهمني الاطلاع علي أحوالها و إن كانت لا تطربني نغمات سيكانها و لا موّالها ووهاله ثغرا لم يكن في يوم من الثغور العذاب و لابعث إليه أديبا ليرق جذاب كما قيل في الرصافة و ابن الجهم .

و كما ضربت ثغور الشام و الأندلس من ذلك لبسهم على الحقيقة لا الوهم و لي بذلك الثغر إخوان لم أزل اسقيهم من الود صفوه و من الإجلال مصاصه لا عفوه و لكن الحوادث تغير أو تنسى و طول العهد باللقاء يكفر أو يغشي و إخوان هذا الزمان كهذا الزمان رهين بالسرعة في كل شيء و قد  أعدى كل مظر وف فيه بهذه الخلة و ابتلاه بهذه العلة. و أصبحت سرعة البريد كوسوسة الشيطان المريد ممن لم ….تبك عند وروده فأغصصته ببروده  و حكت نهاره و شروره حتى أصبح هذا …….. في معناه من سخافات هذا الزمن معايير لأخلاق النفوس و حكما في الغرائز الثابتة . و ادرس ابن خلدون مثلا فهو يحكي أنه كان مقيما ببسكرة و إقامته ببسكرة كانت سنوات عن ….فجاءته رسالة من صاحبه الوزير بن الخطيب من غرناطة على طريق أخيه ابن يحيى بن خلدون كاتب أبي حمو بتلمسان و أقرأ الرسالة ـ اعلم تغرقك بلجيج معانيها الزاخرة ـ و انظر كيف كان الوفاء في زمن الوفاء ( أي البطيء) و هذا معدان تتصور وصول رسالة من غر ناطة إلى بسكرة تتناولها أيدي السفار من غزاة و تجار و تعترضها عوائق من براري و تجتاز ممالك متحاربة و ملوك غير متجانسة و لا متقاربة .و للفتن عواصف و رياح و قوابع اجتياح بين فرشاشة و رياح و للمرسل و المرسل إليه حزازات قاتلة في صدور الدول و الملوك و عقبات غير هينة السلوك و كلاهما شجا في حلوق و شوك غير سهل العلوف. و هذا ـ رعاك الله ـ  فن على حدة من الوفاء و الأمانة و حفظ العهد . ثم انظر مقامه في مصر و رحلاته إلى الحجاز و كيف كانت تأتيه رسائل أصفياءه كابن زمرك و قصائدهم تفيض بالوفاء و الولاء و حفظ الغيب مع الحجاج الذين كانت آمالهم و نيا تهم و طيا تهم معلقة بريح ربما تهب أو لا تهب كما قال شاعر هم الأندلسي في ثغر من ثغورهم

يذمه

بلدة لا تمار إلا بريح                   ربما قد تهب أو لا تهب

و لعلنا قد لمسنا موضوعا أدبيا نفيسا تاريخيا لا نحسن العوم في آذيه المتراكب …الساحل منجاة . و إن هذه الحرب لحقيقة بالدراسة لا من ضحاياها و بلاياها …. فالعصر عصر مادة و أهله أحرص من أن تحضهم على حصر هذه النواحي المادية و إحصائها و دراستها و التأريخ لها كأنها هي كل شيء و إنما الجهة الحقيقية بالدراسة في نظري و أخشى أن يغفلها …. الأمم هي تأثيرها في النفوس … و الله كانت هذه الحرب تسجية وحدها في نسيج الطباع على غير منوالها و تركيب الأشكال و كانت غربية الإسداء و الألحام و إشراب الغرائز المتنافرة و إقحامها شر إقحام .فتأمل هذا الفسل و اقرأه في النفوس لا في الكتب فهو لم يكتب بعد.و أحذر أن تقابل به المسامع بالصك فهو كما قالوا في الورد يشم و لا يحك و هذا أيضا من ذاك.

كانت لرسالتكم عندي قيمة لا يمكن تصورها إلا لنفس كنفسي و لا يمكن تصويرها حتى لنفس كنفسكم و لقد كانت وصلتني أخبار ذلك الثغر مقطعة مبتورة أو مغطاة مستورة ، إذ ما من أحد من أصحابها إلا وهو كالمأسور في قبضة الأس نسور و من الآذان أذن سماعة حتى لنجوانا و من الأعين عين لماعة حتى للخفي من هوانا.

و وراء الآذان و الأعين نفوس لم تنطو لنا على خير تستخرج النتائج من غير مقدمات و تحمل الدوال غير مدلولاتها و هذا أيضا من ذاك . فكانت رسالتكم ـ بحمد الله ـ .سالمة من  ذلك كله ، فكانت مؤدية لما أدته بجلاء و وضوح و أعان على ذلك أن لكم موهبة في التنقيب و ملكة في التقصي و نفسا حريصة و ذهنا صيودا و عناية بالمسألة المشتركة و وزنا للصغائر و الكبائر كلا بميزانها و دبيبا في سرائر النفوس لتصحيح القيم و الخلال قلما رأيت منها حضا وافيا عند سواكم  ـ و لست أظيركم و ولاأطراء في غير مقام المباسطة  من خلقي و لكني رجل جعل الله ـ فيما جعل ـ من أسباب محنتي و بلائي أنني أرد كل شيء من أحوال الجماعات و الأفراد إلى هذه اللطائف النفسية الروحانية التي ماثتها يد الله في العجينة الإنسانية كما يماث الملح  في الماء .0 لا أعني أنني انفردت بهذا فهذا سر الفلسفة الخلقية في أخفى مكامنها.و هو السر الذي قاد عارفون بالأمم من مصلح خير إلىكائد. متبر و غنما اعني أنني أغلو فيه و في نتائجه في حين غفل عنه حتى قواد الشعوب و مربوها و استزلهم عنه الاعتماد  على ظواهر غرارة و قوات جرارة   . و من غرائب هذا العصر عصر البريق و الاستهواء أن أساتذة هذا العلم في كليات أوروبا الراقية يقرئون هذا العلم النفساني و ما اتصل به كما يقرئ مشائخ الزيتونة و القرويين مثلا علم النحو لا على أنه ضوابط أو سلم يوصل إلى سر العربية و فقه بيانها بل على أنه علم قائم برأسه و عليه قنار و على رجليه و فيهما جوربان في خفان في نعلان ( زكارة في النحاة) و له يدان في إحداهما عكاز و في الأخرى قفاز و بينهما عدد من …. .. الممتاز.كذلك حال أصحابنا النفسانيين في أوروبا الراقية يمدون هذه النفسيات بأنفاسهم الرقيقة و يطبقونها على تبجحهم و زهوهم على تلك البد وات التي تبدو من الصبية في أيام الفطرة الأولى التي لا تفاوت فيها و لا تعقيد و التي كانت أعرابياتنا في الجاهلية أوفر علما منهم فيها.فإذا وصلنا معهم إلى العمليات لم نجد شيئا إما انقيادا لما انقاد إليه نحويونا و انغماسا في ضلالهم و إما استخفافا بالنتائج العملية و تهاونا بالعلم و إما و هو الأكثر جريا في عنان المدنية الخرقاء التي تقطع المد على كل ذي جد و تكرم نزل كل ذي هزل و التي غايتها شهادات و رسميات و أسماء بلا مسميات و لعل منهم من سمع بعض فقهائنا ما ورد في الوعيد لكاتم العلم فأراد الاستحلال من هذا الوعيد ببيان العمليات النفسية لعبّاد السياسة و ذياب الاستعمار يلقنهم كيف تؤتى الأمم الضعيفة و الشعوب الجاهلة من الثغر النفسية و كيف تمد لها حبال الغي و تسد عنها كوى النور و كيف تقدم لها الأسماء الحسنة تحمل المسميات الخشنة و كيف يطال لها طول الصبا بأعابيثه ثم تدرج في أطوار مجردة من كل شيء إلا من مغالطة النفس للنفس و كيف يقدم لها هذا السم فتشربه درياقا نافعا و يتقدم لها اللص فتعتقده ناسكا ترجو المتوبة من وراء الإحسان إليه و هكذا و هكذا فهذه هي النتائج العملية لهذا العلم الجليل عندهم.و ما أراها إلا مسروقة من فنون الرياضة البدنية عندهم و لكن رياضة على قوة البلع و الازدراء للأمم  لا للغم

و كما لا يمتحن نحاتنا تلاميذهم إلا في قواعدهم و حفظها نظريات مجردة ينكرها سبويه …………………….و لا يلتفتون إلى أثر العلم في النفس و اللسان  ـ كذلك لا يمتحن هؤلاء النفسيون تلاميذهم إلا في نحو هذه القشور من غير اعتبار و لا التفات إلى أثره في أنفسهم . دليلي المحسوس على هذا أنني ما اجتمعت بدكتور من الفلاسفة و لا بأستاذ جليل ………. مشار إليه في علم النفس و الأخلاق و التربية ـ و التربية معناها الفرق بيت الفضيلة و الرذيلة طبعا و من أول خطوة ـ ما اجتمعت بواحد من هؤلاء و لا من تلاميذهم من الشرق و الغرب إلا و وجدتهم ابعد الناس و أشدهم خلوّا من نتائج و ثمرات هذا العلم و ما اتصل به . وكما يسهل عليك  أن تعرف دكتورا في الطب ينهى عن الخمر و يدقق في مضارها لأنه أعلم الناس بذلك ثم يعاقرها صباحا وعشيا .كذلك يسهل عليك أن تجد  مثله في الأخلاق و علم النفس ثم تجده من أخبث خلق الله أخلاقا و أشدهم فساد نفس . و الفرق أن مبنى المدرسة و الأستاذ و الامتحان و الشهادة و الشهرة و الجاه و اللقب و المتاع ـ  مبنى هذا كله على كلمة اعلم لا على كلمة اعمل . و من ما رآني في هذا فالعجم بالباب و على المغلوب منا إقامة شهر في قرية افلو بشروط أحددها أنا قبل المناظرة بيوم و هي و إن كانت ثقيلة لكنني لا أتهم فيها بحيف لأنها إما لي و إما علي و ستكون أنت من لجنة التحكيم.

أنا يا ولدي كالأسير ، الجناح كسير و لكن طرف الفكر غير حسير. و إنني أفكر فأجد أن آمالنا العلمية في المستقبل يجب أن تكون مصحوبة بإعداد في الحاضر و إلا كانت من أماني الباطل و يجب في هذا الإعداد أن يكون مساويا لتلك الآمال و موفيا عليها و هذا الإعداد مظهره الأول في الرجال . و لقد كانت هذه الحرب معيارا لرجالنا الذين كنا نعٌدهم و نٌعدهم و نستمد منهم و نمدهم …….. غربالا لا يمسك الصالح و يطرح الزران. و ما كنت أظن أن آثار الحرب تتغلغل هذا التغلغل إلى مدارج ليست لها في طريق مهما كانت هذه الحرب جياشة عارمة . و ما للحرب و لطباع العلماء المصلحين الدينيين ؟ و أين تلتقي هذه و هذه ؟ كان معقولا أن تصيب الحرب أبدانهم لأنها معرضة لذلك .فأما أن تصيب مبادئهم و أعمالهم الدينية فقد كان بعيدا.

فإذا قال قائل .: إن نفوسا دينية عاملة للدين مصطبغة بالدين و حربا مادية نهمة يثيرها الحقد و يؤرثها طلب المجد  ـ لا يلتقيان بالطبيعة و إنما يلتقيان بالضباعة… .. إلا إذا كانت الحرب دينية مرجعنا  مرجعنا إلى أن هذه الحرب غريبة عن تكييف النفوس و لو كان المجال واسعا لحاولت تعليل ذلك و تحليله.

إنني لست أفكر و لا انشغل بالنيل من حظنا من نتائج هذه الحرب.فيقيني الذي لا يتزعزع هو أن حظوظ الأمم من الحياة هي ثمرة استعدادها للحياة ، فلنستخرج حظنا مما نعلمه من أنفسنا من استعداد. و إذا أجرينا هذه العملية بلا مغالطة وجدنا حظنا من الاستعداد صفرا.و و أسفاه  . و إنما تفكيري الذي يملأ على خواطري بالرعد و البرق منذ أشهر في هذه الآثار النفسية السيئة التي اثرثها الحرب فينا. و معلوم أننا ممن لا ناقة له في هذه الحرب و لا جمل . فلسنا قاصدين أحدا بحرب و لا نحن مقصو دون بها قصدا أوليا. و إنما نحن فيها على مقربة من قول الحارث بن عباد في حرب البسوس : لم أكن من جناتها ـ   علم الله و أن بحرها اليوم صالي ـ فنحن في السلم نشقى ليسعد غيرنا و في الحرب نموت ليحيا غيرنا ثم لا ثم.

و ما هذه الذلة تشربها النفوس ؟ ما هذا الرعب الذي زلزل الأفئدة ؟ ما هذا الجبن الذي ضرب على المشاعر الحساسة  من هذه الأمة ؟ ما هذا الخور المستحكم في المنهج ؟ أم انتم لا تبصرون ؟ كنا نعلم أن تلك التربية الإدارية المذبذبة التي تغلغلت في القطر بعد الحرب الفارطة و التي ارتكزت على أساليب من التفريق و التمزيق و تفكيك الأوصال لا يهتدي إليها حتى الشيطان ـ كنا نعلم أن تلك التربية لا بد لها من أثر في النفوس الضعيفة و لكننا ما كنا نظن و لا نتوهم أنها تنتهي إلى هذا الإفلاس المريع. بل كنا نظن أنها تنتج خلاف المقصود بها : تنتج صلابة في الأخلاق و متانة في الطباع و ثبات في العزائم لأنها تربية مفضوحة المقاصد بل لا أبغي إذا قلت أن الناشرين لتلك التربية لم يكونوا يرجون منها عشر عشر من النتائج مما اسعد حظهم.

و لقد كانت الحرب الماضية أبرك نتيجة على المسلم الجزائري و على العالم الإسلامي كله من هذه الحرب

……….في أثنائها السعة و اليسار و اكتسب بعدها اليقظة و الانتباه  و الحماس و من فضلها عليه أنها نزعت من نفسه الخوف و الرعب و فتقت لسانه عن المطالبة بحقه و و التصميم من تلك المطالب إلى غير ذلك مما يعد عند المفكرين نتيجة مثمرة .أما هذه الحرب فحسبك من آثارها السيئة فينا هذا الوجوع العام ، وجوع الذل و الخزي . و هذا مع أن نتائجها القريبة هي ما تعلم و أعلم ، فكيف لو…….

جرني إلى كتابة هذه اللمحة الدالة على كثير بعض فقرات في رسالتكم حديثا عن بعض رجالنا ذكرتني سلسلة طويلة متناسقة من الحوادث و دلتني على أن اثر هذه الكارثة في أولئك الرجال كأثر الحمى في تغيير الطعوم .فهذا الطراز من قومنا قد تغير طعم الأشياء هي ذوقه و لا سبب لذلك إلا أن طائف الخور طاف بتلك النفوس فأصبحت تحرم اليوم ما كانت توجبه بالمس و تعد من النقائص لغيرها ما كانت تعده لنفسها من الكمالات.

حكيتم عن بعض الإخوان أنه قال : إن آخر عود من فلانة يكسر أو يعور و لا ادري أي جارحة أبقتها فلانة تصلح للتكسير و التعوير ؟  لعمرك إن هذا الكلام جسماني لا روحاني . أما أصحاب الأرواح  العالية و الهمم و الشرف فعلى الجسوم العفاء . و يقولون مع المتنبي : يهون علينا أن تصاب جسومنا و تسلم أعراض لنا و عقول . إن من المؤسف أن تعد الأمم هذه الحرب فاصلة بين عهد و عهد و جيل و جيل.

انتهى.

تحقيق محمد الحاج عيسى الأغواطي

 

 

                     

  سجل الزوار     الصفحة الرئيسية       اتصل بنا 

 
 

  أغواطنا   -   لوحات المدينة   -   خدمات   -   منتدى الأغواط   -   إتصل بنا

 

 Copyright © 2006 Laghouat.net

 BENAIDJA NOUREDDINE Citιe M'kame Laghouat Algerie