|
بسم الله الرحمن الرحيم
في حب الخير لها على تنزيلها منزلة لم
تزل منها بعيدة . و لم أكن على رأيه ـ رحمه الله في
كثير من ذلك التقدير و ذلك الإسراف فيه . و لو كان
غلوه في تقديرها قاصرا على المواقف الخطابية التي يحسن
فيها إطراء الأمة لإثارة نخوتها و تذكرها بأمجادها
لتشرع لها طريق الأسوة و يهزها ما ينتحل لها من محامد
إلى التسابق في تحصيله . لو كان ذلك لقدرناه و لعددنا
ذلك منه براعة في سياسة التربية التي هو ابن مجدها.
فإن أمثاله من دعاة الحق و قادة الأمم مفروض عليهم أن
يسلكوا بأممهم إلى المجد أقرب طريق يرونها . و إن هذا
المنهج أرشدنا إليه القرآن و شرعه لنا فيما شرع من
أصول حكمة كان الأستاذ الرئيس رحمه الله و نعمه ـ مع
بعد نظره و دقة تحريه ـ يغلو في تقدير الأمة
الجزائرية و يغالي بقيمتها إلى أبعد القيم ويحمصه
الإفراط التربية في خطابه لبني إسرائيل بيا بني
إسرائيل حتى في مقامات التقريع و تعديد الجرائم.فإنه
ماخاطبهم بالنسبة إلى إسرائيل الذي هو معقد مفاخرهم
و أساس مجدهم و اعتزازهم إلا ليثير في نفوسهم ذكريات
من ماضيهم و ينبههم إلى أن الواجب عليهم و هم آل
إسرائيل أن يتبعوا سنن إسرائيل.
و لكنه ـ نعمه الله ـ لا يفارقه ذلك
الغلو حتى في المقامات العلمية الخاصة التي يجب فيها
تقرير الحقائق كما هي و الوقوف عند حدود الواقع و
الاحتفال للبرهان وحده لا للجدل و اللجاج و إنه لإمام
الأمة في هذا الباب باب تقرير الحقائق و التدقيق
المتناهي في تحدديها على الأسلوب التدريسي.
قلت له يوما ـ و قد أفضنا في حديث
…يجري
هذا المجرى و كنا بداري خاليين ليس معنا ثالث ـ قلت له
: أخشى يا أستاذ أن تهدم لك هذه الأمة في موقف واحد
جميع ما شدت لها من صروح التقدير. و يؤسفني جدا أن
تخيب آمالك فيها و لكن يسليني عن ذلك كله أنها لا
تستطيع هي برعونتها و لا غيرها بكيده و…….أن
يهدم ما شيدته لها من جلائل العمال و ما أقررته من
إقرار أحجار الحق في بناء الأجيال . فقال لي رحمه الله
: أنت متشائم و سترى من أمتك فوق ما كنت تحتسب و ستكذب
ظنك السيئ فيها و تحقق ظني الحسن بها . فقلت له : إن
المسألة ليست مسالة ظن يحسن أو يسوء و لكنها مسالة
واقع تقدر الأشياء بقدره.و إن هذه الأمة هي أول عهدها
باليقظة فهي تتثاءب و تتمطى ‘ فقال لي سترى و أسكتنا
استئذان ثالث علينا و هو المرحوم الشيخ محمد بن مرزوق
و كان ممن لا ينطلق لسانه إلا في مثل هذه الأحاديث و
لا ينساع في سمعه غيرها. و لكن الأستاذ الرئيس جره إلى
فنون أخرى من المباسطة فبعدنا عما كنا فيه.
و لم يمض إلا قليل حتى نعق ناعق الحرب
و اشتعلت نيرانها و دعا داعي التجنيد العام في الأمة
الجزائرية فاستجابت له طوعا خاضعة الأعناق ، و انساقت
طيعة ذلولة كأنما يسوقها ابن باديس إلى ميادين الشرف
التي كان يخططها لها و يهيئها لاقتحامه. و أرهفنا
الآذان عسى أن نسمع نبأة إنكار او كلمة عصيان تدل على
اثر تربية عشرين سنة كاملة و عراك جيل كامل و توقعنا
حدوث تمرد و لو طفيفا من نوع ما وقع في الحرب الماضية
في بعض جهات القطر ، فلم تقع و لا رائحة حادث ، و قد
كانت الإدارة تتوقع أكثر مما نتوقع فاندهشت لتلك
الاستجابة السريعة الشاملة اندهاش الفرح المشوب بالحذر
و اندهشنا نحن اندهاش الحزن و اليأس.و سيقت ـ في
أسابيع معدودة ـ الجحافل الجرارة من أبناء هذه الأمة
الذليلة إلى حيث النار و العار.و لم ينتطح في ذلك
التجنيد عنزان.
زارني الأستاذ في أخر الأسبوع الثاني
لإعلان الحرب لنقرر رأيا حاسما في موقفنا و موقف
الجمعية في مدة الحرب و لنتفاهم فيما كنا نتوقعه من
القبض علي و عليه أو على بعض رجال الجمعية فذكرته في
آخر الحديث بمعنى ما تقدم.و أبثثته امتعاضي من تلك
المهانة المخزية و ذلك المظهر المزري من الأمة و
نوابها المخادعين اللذين ملئوا عليها الجو كذبا و
أماني باطل فهوّن علي الأمر بكلام لم يعدُ ـ في جملتهـ
الخطابيات؛ و ما كنت أتوقع في ذلك الاجتماع انه آخر
اجتماع بيني و بينه و لا أن الدهر سيرزؤنا فيه قبل
نهاية الحرب بل قبل نهاية سنتها الأولى وتفجع فيه
الأمة التي كانت تعلق عليه ابعد الآمال فتفقده في أرهب
ساعة من حياتها أحوج ما تكون إليه و إلى علومه و آرائه
و عزيمته و إقدامه و و احرناه ….
و لقد حلت بعد موته بشهرين كارثة الخزي
الأبدي بل آية العدل الإلهي بالدولة التي كان شجا في
حلقها و كانت تعده أعدى عدو لها في هذا الشمال الذي
ابتلته بشرورها و غمرته بفجورها ـ فكنت و كان كل مفكر
حي الضمير نود ـ بقطع الوتين ـ لو عاش الأستاذ شهرين
آخرين حتى تقر عينه برؤيتها مقهورة مفضوحة مجللة لا
بعار الغلب فحسب بل بمخاز لم تطلع الشمس على مثلها من
خيانات فاضحة لرجالها و يبتهج برؤية هذه الأمة واقفة
ولو موقفا واحدا من مواقف الشرف التي كان يعدّها لها
بأقواله و أعماله ـ و لكن لم يمر زمن قليل على تلك
الكارثة التي كانت بردا و سلاما على الأمم المستضعفة
التي دهتها تلك الدولة الفاجرة بكيرها و أرهقتها
بعتوها ـ حتى أيقنا أن ذلك التمني الذي كان خديت كل
نفس ـ كان في غير محله ـ و إن الله جلت حكمته خار لذلك
الرجل العظيم فاختار له ما عنده لحكمة دقيقة ، و هي أن
لا يريه خيبة أمله من أمته و أن لا يجرعه المرارة
التي تجرعناها فقبضه إليه بعد أن أدّى الأمانة على
أكمل وجوهها وافر الكرامة مشكور المساعي مملوء النفس
بالرجاء و الأمل من حسن عاقبة الأمة التي وقف حياته
على نفعها و الإسلام الذي قصر مواهبه الجليلة على
خدمته و نصرته و تبين حقائقه و المناصحة عنه بقلمه و
لسانه ـ رحمك الله ـ أيها الإمام العامل ـ كما رحم بك
هذه الأمة و أقام بك حجة الإسلام و أراحك من مشاهد
شهدناها تجلب الأسى و تصهر الجوانح و تحز الفؤاد...
حلت الكارثة بتلك الدولة التي سامت
الجزائريين عذاب الهون و ما هي كارثة كالكوارث و إنما
هي محق و استيصال و أذاقها الله لباس الجوع و الخوف
كما أذاقت الجزائريين و أبقى منها غالبها القاهر شبحا
لا يدل على الإبقاء و الاستحياء أكثر مما يدل على
الإبادة و التنكيل .فما ذا كان من هذه الأمة المسكينة
و من الأمم التي تشاركها في الجوار و الدين و اللغة و
بلاء فرنسا ـ مع هذا الشبح الضئيل من دولة ؟
كان المنتظر المعقول من هذه الأمم بل
النتيجة الطبيعية لاستعباد فرنسا لها و للسقوط المريع
الذي سقطته فرنسا ـ أن تثور أمم الشمال الإفريقي على
ذلك الشبح ثورة ماحقة و أن تقضي على السلطة الفرنسية
الفرعية كما قضى عدوها الضافر على الأصل و تحرر نفسها
ذلك التحرير الذي طالما تغنى به الشعراء و هدرت به
شقا شق البلغاء و طالب به………………..الزعماء
و كان الجميع يتحينون له الفرص و قد أمكنت الفرصة التي
لا يجود الزمان بمثلها و لا يمكن أن تتجدد في عشرات
السنين و لا في عشرات القرون و هيهات هيهات مما يتخيل
المتخيلون من فرصة كهذه إلا أن الفرص هي أمضى الأسلحة
عند الأمم المتيقظة . و لكنها لا تقطع إلا في يد من
يحسن استعمالها و ما استعمالها إلا افتراصها لأول ما
تحن و اصطيادها لأول ما تلوح.
و لكن هذه الأمم الذليلة قابلت تلك
الكارثة ـ التي هي في الحقيقة مفتاح سعادتها و أساس
تحريرها ـ باستغراق شامل من الجمود و الخمول و صدقت
شهادة عدوها فيها أنها مجنونة بحبه و أنها تفرح لفرحه
و تحزن لحزنه و تموت ليحيا و تحيا ليركب و يحلب و
يستغل و كان موقفها عند موته أصدق في باب الشهادة من
موقفها يوم اندفعت ذلك الاندفاع لنصرته و الذود عن
حياضه.
ثم طفق أمراؤها و رؤساؤها و زعماؤها و
شعراؤها إلا من رحم ربك يرددون باسمها نغمة واحدة
عالية بلا حياء و لا خجل من التسبيح بحمد الدولة
الميتة على ما أفاءت على هذه الأمم من نعم و فيض كرم
منذ حكمتها فأقرت العامة هذه اللعنة في مستقرها بل
شاركت في كثير من أسبابها و رضيت به خزيا لا تمحوه
الدهور ، ثم فرض عليها في الخلوات و الجولات و على
صبيانها في المدارس نوع غريب من الغباءة لم يأت بها
بودا ولا برهما و لا كنفيشوس و لا مشائخ الحلول و
غلاة الباطنية و هو استحضار رجال فرنسا الذين أنقذوها
بزعمهم في كل بال و إطراؤهم في الخصائل و خلع حلل
المدح و الكمال عليهم.و ما هم عندي و عند العقلاء
المتبصرين ـ إلا فلول حرب و أبطال هزائم .لو تجسمت
ألقابهم و نطقت
…نيا
شيهم. للعنتهم و قالت : إليكم عني مما انتم مني.و
لعمري و عمر الحق ـ إن ألقاب جنرال و أميرال و غيرهما
من مواليد العز و الكرامة و أوضاع السؤدد و الفخامة ـ
يقبح كل القبح بأمة مهزومة هزيمة عار أن تحلي بها رجال
الهزيمة إن كانت لها بقية من شرف ـ و لو كانت هذه
الأمة المهينة تدرك للشرف معنى لنسخت هذه الألاب قبل
أن تنسخ قانون كريميو و ما جرى مجراه ـ و لو أن
حامليها يدركون معنى للحياء لأنفوا من إطلاقها عليهم و
لعدوها نبزا شائن و هروا قبيحا يراد منهما ما يراد من
قولك : المغلوب ، المهزوم و لكن لن ينفع الشرف و
الحياء كل فخرهم بالاستطالة على الضعفاء و لنرجع إلى
أمتنا التي لبست لهذا الطرف لبوسه ـ إنها أقرت هذه
العبادة و عملت بظواهرها منقادة طائعة و اشترت صور
عظماء فرنسا بما لها حتى ليوشك أن تكون في كل بيت صورة
و صورتان و رؤساؤها (الزما نيون و الروحانيون)يتعاهدونها
بالتذكير كي لا تنسى و بالتنبيه كي لا تغفل فألهوها
بذلك حتى عن المطالبة بالخبز أو التذمر من البؤس . و
أبى لهذه الأمة خزيها و مهانتها أن ترفع صوتها بإنكار
منكرا و مطالبة بحق . و الحكومة جادة ـ إلى هذا الحين
في تقرير هذه العبادة و فرض رسومها و لولا أنها تعلم
ذل الأمة و انقيادها لما تؤمر به لنضبت لتقرير هذه
العبادة ( محاكم تفتيش)
اندمل الجرح و أصبح خضوع الأمة و
انقيادها أمرا مألوفا و زادت على الخضوع و الانقياد
رعبا و رهبة لم يكن لهما عهد حتى في عهود القوة و
القسوة بالفرائس ترتعد و الأفئدة ترتعش و اللسنة قد
ضرب عليها الخوف عقدة من السكوت المطبق إلا عن مدح
فرنسا و عظماء فرنسا فلا تسمع في المحافل و المجامع
إلا : فرنسا رحيمة فرنسا عادلة فرنسا حية خالدة ، و
سنفصل ذلك في فصل آت.
تبا لهؤلاء الأذلاء الكاذبين و الجبناء
المتملقين و قطعا لتلك الألسنة التي تصف الكذب الصراح
و ويل لهذه الأمة التي أقرتهم فأقرت الجبن في مجموعها
و سجلت الخزي على أصولها و فروعها و تهورت في ضلالة
متماهلة نطق الناطق فيها كسكوت الساكت . فلا يتهمني
متهم بأنني بالغت و عممت يرد علي لأن في الأمة رجالا
لا يقرون هذا العار و أن في الأمة نفوسا مطمئنة
بالإيمان و الشرف ، و من الأمة ألسنة ساكتة على مضض ،
و أقول لهذا الراد هون عليك فآنا أول من يعلم ذلك و
لكن أين آثاره التي تشهد و أين الأعمال التي تخرس
السنة الناقدين .
و لو أن قومي أنطقتني رماحهم
و لكن الرماح أجرمت
افترض في مثل هذه الفرص الثمينة أن
نكون مثل قواعد البيوت فتمر الفرصة التي لا تعوض ثم لا
يكون حظنا منها إلا الحوقلة و ما تنطوي عليه الضمائر
من النيات ( الحائمة ) إن
الله تعالى
يقول : فينظر كيف تعملون و لم يقل كيف تنون ؟ و إن
الأمم لم تحي بالنيات و الخواطر الصالحة و لا تحيا بها
أبدا و إنما تحيا بالأعمال و إن سنة الله أنها لا
تسقط أمة ظالمة إلا سكون سقوطها نهوضا لأمم و حياة
لأقوام.و إن سنن الله لا تتحقق إلا بعمل العاملين .فما
عملت هذه الأمة ؟
نسجل بعد هذه الزمرة أن أخزى ما وقع من
أكاذيب لسنة كاملة و أوجب للعنة الخالدة هذه الكلمات ـ
و لا نبالي من أي لسان صدرت ـ فرنسا عادلة .فرنسا
رحيمة.فرنسا حية.فرنسا خالدة. فمن لي بمن يقول
للكاذبين على الله و سننه و الواقع و حقائقه : إن كذبا
على الحقيقة أن تصفوا الغراب بأنه ابيض ، فإذا قلتم ـ
مع ذلك ـ أنه غرّيد فقد كذبتم على الحقيقة و اللغة معا
و عززتم الكذب بفاحشة الفواحش و هي الظلم للبلبل…...
هذا و بعد أن انجلى الغبار عن هذا
الخزي و هذا العار رجعت إلى نفسي و خلوت بها فانقدحت
لي في هذا الباب علل و أسباب و مرت بي خواطر و ذكريات
مما يتصل بهذه الحال فأعدت النظر في أصل المسألة و هو
حال هذه الأمة لنصحح ما كان لنا فيها من الموازين
الخاطئة و لنلائم بين طرفي ما كنا نسميه النهضة فأمليت
على القلم فصولا بلا نظام و خواطر بلا التئام كانت
كالنفاثات لا يملك المريض لها ردا .ثم جمعتها على هيئة
تشبه الترتيب و إني أبرا إلى المطلع عليها و لو بعد
موتي مما يراه فيها من تفكك الأساليب و تكرار القول و
عدم الموادمة بين بعض الجمل و معانيها.فإنها صدرت عن
فكر مريض فما أجدرها أن تسمى " خواطر مريض" و لكني لا
أسمح له أن يتحكم لي في مراد أو يفزع إلى اللجاجة و
العناد فلعله لا تنطوي جوانحه على عشر ما تنطوي عليه
جوانحي من محبة لهذه الأمة و إخلاص لها و لم يعمل عشر
ما عملت لها من أعمال نافعة و لم يلق في سبيلها عشر ما
لقيت من أذى و إعنات ، لا أعني النفي فقبل النفي كانت
هانات و هانات ولا أدري ما ذا سيكون بعده. و كما أنه
ليس من محبة المريض عدم القسوة في علاجه حتى لا يستشري
الداء كذلك ليس من محبة الأمة في شيء السكوت عن
سيئاتها و الإغضاء عن زلاتها . و نخن قوم لم نتعود
السكوت عن الباطل و الشر فإن سكتنا عنهما فبئس حاملو
القرآن نحن إذن و لو كنا نسكت لسكتنا في هذا الباب
الذي في التعرض له ضرب الرقاب.
إن الأمة الرشيدة الصالحة هي التي
تستفيد من خطإها أضعاف ما تستفيد من صوابها و إن هذه
الأمة تستقبل اليوم طورا جديدا من أطوار حياتها و قد
طم أساسه على وهي فالحذر الحذر أيتها الأمة و التحذير
التحذير أيها العاملون المخلصون .
و إذا سرّ غيري أن يكون من المتفائلين
فقد رضيت في هذه الحال خاصة و عن خبرة ـ أن أكون من
المتشائمين و سيسجل
التاريخ :……………………………………………………………………………………………………
و قال المبتلى أنت معافى .على أنني
بفضل الله لا أيأس من روح الله. و أثوب في إخواني
العاملين : أن ابدءوا العمل من جديد من حيث بدأتم أول
مرة و لا تهولكم أخطار الطريق و لا يقعدن بكم بعد
الشقة و……..
السفر . جنبنا الله و إياكم فتنة الرأي و رزقنا
الإخلاص و الصبر و الثبات.
مقارنة بين عهدين
من وظائف الباحث في أحوال أمة ـ إذا
كان يريد أن يخرج بنتائج صادقة مدعمة بالأدلة ـ أن
يقارن بين أحوالها المتشابهة و حركاتها و مظاهرها و
مواقفها في الحوادث الكبرى و آثار تلك الحوادث فيها و
يوازن بين النتائج ليعرف : ألي صعود هي أو إلى هبوط و
ليعرف مقدار تأثرها بالمثلات و العبر و مقدار
استفادتها من التجارب .فإذا استعملت هذا الميزان في
خال أمم الشمال الإفريقي في الحرب الماضية العالمية و
حالها في هذه الحرب ، و كان الوزن بين حالة و حالة من
هذه الثلاث :
1.
كيف كانت وضعية هذه الأمة الواحدة في
تلك الحرب و كيف كانت في هذه الحرب
2.
بأية نفسية قابلت تلك الحرب و بأية
نفسية قابلت هذه
3.
بأية نتيجة خرجت من تلك الحرب و بأية
نتيجة خرجت من هذه.
إذا استعملنا الميزان على هذه الصورة
انكشف لنا ما هو مدهش و محزن و مخز في آن واحد.
الوضعية في الحرب الماضية
كانت هذه الأمة خاضعة للاستعمار
الفرنسي و أحكامه الخائرة خضوعا مطلقا يستوي فيه
جناحاها المحميان و وسطها المملوك. و كانت كلها لا
تعرف معنى للمطالبة بالحق المغصوب و لا المطالبة
بالتخفيف و التيسير و كانت العامة ـ و هي كل الأمة
تقريبا ـ تعتقد اعتقادا جازما بأن الحكم الفرنسي حكم
خالد قرره ديوان الأولياء الصالحين في اجتماع عام
بإجماع تام.فلا نطمع في زواله بل كانوا يعدون إقراره و
الرضا به رضا بحكم أولئك الأولياء و جاريا في معنى
حبهم و الطاعة لهم ـ و كانت قوانين الزجر الخصوصية
معمولا بها على اشدها في الجزائر و قوانين أخرى لا تقل
عنها قسوة و فضاعة جارية بتونس و مراكش ـ و كانت هذه
الأمم كلها بعيدة عن أسباب اليقظة و الانتباه إلا رهطا
لا يؤبه له في هذا الشأن و كانت متشابهة الأجزاء في
فقد الشعور الإسلامي العام و الشعور الوطني الخاص إلا
شيئا لا قيمة له. و كانت ـ على الجملة ـ بعيدة عن
الحياة السياسية بعد السماء عن الأرض ـ و كان الاتصال
بين الممالك الثلاثة في حكم المنقطع لأنه ضعيف الأثر و
كان قانون التجنيد الإجباري في الجزائر وحدها لم يزل
غضا و النفوس منه واجفة و صوت المعارضة فيه دون الجهر
و فوق المخافتة.
النفسية التي قابلت
بها تلك الحرب
و مع ذلك الجمود القاتل الذي كان
مستوليا على مشاعر هذه الأمة بأجزائها و الذي وصفنا
بعضه ـ و مع تلك العقائد التي تكفي وحدها لتسجيل
العبودية الأبدية على الأمة التي تدين بهاـ مع ذلك كله
ـ و مثله معه ـ فإن هذه الأمة لم تستجب لداعي التجنيد
و الدفاع عن فرنسا بسهولة و لم يندفع واحد منها من
تلقاء نفسه إلا بقريب من النسب الجزئية التي كانت قبل
الحرب بل كان التذمر من التجنيد باديا على الجميع و قد
ظهرت بسببه حركات عصيان خطيرة في عدة نواح من الجزائر
و في غيرها من غيرها على غير ائتمار و لا مواطاه بل
بدافع نفساني. و انتهت بعض تلك الحركات إلى إراقة
الدماء و نذكر على سبيل المثال واقعة عين التوتة في
جنوب قسنطينة.
أضف إلى جميع ما تقدم ـ لتسجيل
المقارنة التامة ـأن تلك الحرب كانت خيرا عميما على
هذه الأمة فراجت التجارة و غلا سعر المبيعات غلاء
معتدلا و تدفقت خزائن الحكومة بالمرتبات الضخمة فلم
تذق الأمة طعما للمجاعة و لا عرفت معنى للمضايقة و لا
فقدت شيئا من الضروريات و لا من الكماليات.
نتائج تلك الحرب في
الأمة
كانت نتيجة تلك الحرب من هذه الأمة
بجميع أجزائها تنفيسا صوريا و تخفيفا سطحيا من قسوة
الحكم الإداري . و لسنا صبيانا نخدع عن اللبن فنسمي
ذلك التنفيس جزاء لهذه الأمة على دفاعها عن فرنسا و
إنما تلك المظاهر الغرارة التي طنطنت بها الحكومة
الفرنسية في ذلك الحيز
……….فوق
الرضى للجزائريين على الخصوص ـ هي مكائد من شر ما
صاغته السياسة الاستعمارية و سمته بغير اسمه تعمية و
مكر السيئ .و قد كانت لتلك المكائد في الأمة التي
تلقتها بالفرح ـ عواقب الأمراض المتسامحة ـ لا تكون
إلا فتكا و تمزيقا و لها ظواهر كظواهرها تغر بالسلامة
و تغري بالتفريط و نعتبر ذلك بمهزلة الانتخابات
النيابية التي أعطيت للجزائري كمكافأة و ما جرت على
الأمة من تبديد أموال و تقطيع أرحام من غير فائدة و لا
شبه فائدة.
إنما الشيء المعتبر الذي يستطيع الباحث
أن يسجله كأثر صحيح من أثار تلك الحرب في نفوس الأمم
المستعبدة ـ و منها أمة الشمال الإفريقي ـ و يستطيع
الجزائري أن يعتبره كأنفس شيء هو شيء من اليقظة و
الشعور طاف طائفها بهذه الأمة بعد أن لم يكن موجودا ـ
فلا يشك عاقل مميز يزن الأشياء بموازينها و يردها إلى
أصولها ـ إن الحالة الفكرية تطورت في الأمة الجزائرية
إلى أحسن و أن لا سبب لذلك إلا الحرب .
و ذلك شيء طبيعي في الحروب , لها سمات
خصوصية تطبع بها الأفكار و تنقلها من حال إلى حال
فتكون في المستعدين ثورة و انقلابا و في المخضرمين
حركة و اضطرابا و في الجامدين مثلنا سؤالا و جوابا.
فالأمة الجزائرية تطورت تطورا فكريا
محسوسا لا يد للمستعمر فيه و ليس من غرضه و لا فصله و
إنما هو كما بينا من الآثار الاضطرارية للحرب ـ و ظهر
اثر ذلك التطور واضحا في مشاركة جزئية في الاقتصاديات
و في الإقبال على التعليم بنوعيه , و في انطلاق
الألسنة بالكلام و لو فارغا برقت في الجو النيابي
بارقة خافتة بما يسمى المطالبة بالحق ثم تطورت تلك
الآثار بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب فظهرت في تأسيس
النوادي و الجمعيات و تشييد المدارس و المساجد و بلغت
في بعض النواحي درجة قريبة من الكمال و من هذه الآثار
و نتائجها تألفت وضعية الأمة في مبدأ هذه الحرب
وضعية الأمة في هذه الحرب
النسبة بعيدة جدا في وضعية الأمة في
هذه الحرب و في وضعيتها في الحرب العالمية ، فقد تقدمت
الأمة بعدها في التعليم بقسميه خطوات واسعة و تزحزحت
عن المكان الذي كان ممهدا لها في الأمية و بلغت طائفة
من أبناء الأمة درجات عالية في الطب و الحقوق و غيرهما
عل نفقة……….
من أبناء جيل ما قبل الحرب و هذه النقطة وحدها من أدل
الدلائل على عمق التأثر .
و ارتفع صوت الإصلاح عاليا فاسمع الصم
نداء……….
في الجزائر ثم سرى في الجناخير بطا ببطئه في الجزائر
سريعا معا بسرعته إلى أن تغلغل بين زحف أوليائه و رد
أعدائه إلى جميع قلوب الأمة و نازل العقائد الزائفة
في مستقرها من نفوسها فأزال ما أزال و زلزل ما زلزل ،
زعزع تلك العقيدة الفتاكة التي أشرنا إليها ـ عقيدة
الاتكال على الأموات ـ و بلغ نظام الجمعيات في الأمة
درجة عالية ـ و نظام الجمعيات و إدارتها هو الدرس
العملي الأول في علم أساليب الادارة و تفتقت الألسنة
على الخطابة الدينية و السياسية فبلغت في هذا المضمار
شأوا
بعيدا و طهرت العقائد من أدران الخرافات و العقائد هي
ملاك الأمم . هذا و كانت المؤثرات البارزة في الأمة
ثلاثة تختلف مبدأ و تلتقي غاية و هي حركة جمعية
العلماء في الإصلاح الديني و هي ذات الوسائل الفعالة
في تحريك الأمة و حركة الوطنيين في بث الشعور الوطني و
حركة الشيوعيين في النزعات المتطرفة من التشغيب على
الإدارة الحكومية و قد فعلت هذه المؤثرات فعلها في
تحريك الأمة و علمتها كيف تكافح الباطل في الدين و
الدنيا وجها لوجه .
النفسية التي تلقت بها
هذه الحرب
لم نعرف في أحوال الأمم نتيجة أبعد من
مقدماتها من نتيجة ما كنا نسميه النهضة العربية
بالشمال الإفريقي و قد عرفت مظاهرها من العنوان الذي
قبل هذا ، فقد كان المستعمرون يتشاءمون بتلك النهضة و
يعدون ـ قبلنا ـ من نتائجها الطبيعية القريبة فعود
الجزائريين عن نصرة فرنسا و إعانتها في الحرب المتوقعة
إذ ذاك . أما نحن فما ـ قط ـ خالطنا الريب في هذا بل
كنا نعده نتيجة لازمة لتلك النهضة هو معها كالمتلازمين
العقلين لا اختلاف بينهما ، خصوصا مع إصرار فرنسا على
العناد و المعاكسة في إعط |