من رسالة بعث بها الشيخ الإبراهيمي رحمه الله إلى أبي بكر الحاج عيسى الأغواطي

يوم الاثنين 16 ربيع الثاني سنة 1360

 

 
 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

في حب الخير لها على تنزيلها منزلة لم تزل منها بعيدة . و لم أكن على رأيه ـ رحمه الله في كثير من ذلك التقدير و ذلك الإسراف فيه . و لو كان غلوه في تقديرها قاصرا على المواقف الخطابية التي يحسن فيها إطراء الأمة لإثارة نخوتها و تذكرها بأمجادها لتشرع لها طريق الأسوة و يهزها ما ينتحل لها من محامد إلى التسابق في تحصيله . لو كان ذلك لقدرناه و لعددنا ذلك منه براعة في سياسة التربية التي هو ابن مجدها. فإن أمثاله من دعاة الحق و قادة الأمم مفروض عليهم أن يسلكوا بأممهم إلى المجد أقرب طريق يرونها . و إن هذا المنهج أرشدنا إليه القرآن و شرعه لنا فيما شرع من أصول حكمة كان الأستاذ الرئيس رحمه الله و نعمه ـ مع بعد نظره و دقة تحريه ـ يغلو  في تقدير الأمة الجزائرية و يغالي بقيمتها إلى أبعد القيم ويحمصه الإفراط التربية في خطابه لبني إسرائيل بيا بني إسرائيل حتى في مقامات التقريع و تعديد الجرائم.فإنه ماخاطبهم بالنسبة إلى  إسرائيل  الذي هو معقد مفاخرهم و أساس مجدهم و اعتزازهم إلا ليثير في نفوسهم ذكريات من ماضيهم و ينبههم إلى أن الواجب عليهم و هم آل إسرائيل أن يتبعوا سنن إسرائيل.

و لكنه ـ نعمه الله ـ لا يفارقه ذلك الغلو حتى في المقامات العلمية الخاصة التي يجب فيها تقرير الحقائق كما هي و الوقوف عند حدود الواقع و الاحتفال للبرهان وحده لا للجدل و اللجاج و إنه لإمام الأمة في هذا الباب باب تقرير الحقائق  و التدقيق المتناهي في تحدديها على الأسلوب التدريسي.

قلت له يوما ـ و قد أفضنا في حديث يجري هذا المجرى و كنا بداري خاليين ليس معنا ثالث ـ قلت له : أخشى يا أستاذ أن تهدم لك هذه الأمة في موقف واحد جميع ما شدت لها من صروح التقدير. و يؤسفني  جدا أن تخيب آمالك  فيها و لكن يسليني عن ذلك كله أنها لا تستطيع هي برعونتها و لا غيرها بكيده و…….أن يهدم ما شيدته لها من جلائل العمال و ما أقررته من إقرار أحجار الحق في بناء الأجيال . فقال لي رحمه الله : أنت متشائم و سترى من أمتك فوق ما كنت تحتسب و ستكذب ظنك السيئ فيها و تحقق ظني الحسن بها . فقلت له : إن المسألة ليست مسالة ظن يحسن أو يسوء و لكنها مسالة واقع تقدر الأشياء بقدره.و إن هذه الأمة هي أول عهدها باليقظة فهي تتثاءب و تتمطى ‘ فقال لي سترى و أسكتنا استئذان ثالث علينا و هو المرحوم الشيخ محمد بن مرزوق و كان ممن لا ينطلق لسانه إلا في مثل هذه الأحاديث و لا ينساع في سمعه غيرها. و لكن الأستاذ الرئيس جره إلى فنون أخرى من المباسطة فبعدنا عما كنا فيه.

و لم يمض إلا قليل حتى نعق ناعق الحرب و اشتعلت نيرانها و دعا داعي التجنيد العام في الأمة الجزائرية فاستجابت له طوعا خاضعة الأعناق ، و انساقت طيعة ذلولة كأنما يسوقها ابن باديس إلى ميادين الشرف التي كان يخططها لها و يهيئها لاقتحامه. و أرهفنا الآذان عسى أن نسمع نبأة إنكار او كلمة عصيان تدل على اثر تربية عشرين سنة كاملة و عراك جيل كامل و توقعنا حدوث تمرد و لو طفيفا من نوع ما وقع في الحرب الماضية في بعض جهات القطر ، فلم تقع و لا رائحة حادث ، و قد كانت الإدارة تتوقع أكثر مما نتوقع فاندهشت لتلك الاستجابة السريعة الشاملة اندهاش الفرح المشوب بالحذر و اندهشنا نحن اندهاش الحزن و اليأس.و سيقت ـ في أسابيع معدودة ـ  الجحافل الجرارة من أبناء هذه الأمة الذليلة إلى حيث النار و العار.و لم ينتطح في ذلك التجنيد عنزان.

زارني الأستاذ في أخر الأسبوع الثاني لإعلان الحرب لنقرر رأيا حاسما في موقفنا و موقف الجمعية في مدة الحرب و لنتفاهم فيما كنا نتوقعه من القبض علي و عليه أو على بعض رجال الجمعية فذكرته في آخر الحديث بمعنى ما تقدم.و أبثثته امتعاضي من تلك المهانة المخزية و ذلك المظهر المزري من الأمة  و نوابها المخادعين اللذين ملئوا عليها الجو كذبا و أماني باطل فهوّن علي الأمر بكلام لم يعدُ ـ في جملتهـ الخطابيات؛ و ما كنت أتوقع في ذلك الاجتماع انه آخر اجتماع بيني و بينه و لا أن الدهر سيرزؤنا فيه قبل نهاية الحرب بل قبل نهاية سنتها الأولى وتفجع فيه الأمة التي كانت تعلق عليه ابعد الآمال فتفقده في أرهب ساعة من حياتها أحوج ما تكون إليه و إلى علومه و آرائه و عزيمته و إقدامه و و احرناه .

و لقد حلت بعد موته بشهرين كارثة الخزي الأبدي بل آية العدل الإلهي بالدولة التي كان شجا في حلقها و كانت تعده أعدى عدو لها في هذا الشمال الذي ابتلته بشرورها و غمرته بفجورها ـ فكنت و كان كل مفكر حي الضمير نود ـ بقطع الوتين ـ لو عاش الأستاذ شهرين آخرين حتى تقر عينه برؤيتها مقهورة مفضوحة مجللة لا بعار الغلب فحسب بل بمخاز لم تطلع الشمس على مثلها من خيانات فاضحة لرجالها و يبتهج برؤية هذه الأمة واقفة ولو موقفا واحدا من مواقف الشرف التي كان يعدّها لها بأقواله و أعماله ـ و لكن لم يمر زمن قليل على تلك الكارثة التي كانت بردا و سلاما على الأمم المستضعفة التي دهتها تلك الدولة الفاجرة بكيرها و أرهقتها بعتوها ـ حتى أيقنا أن ذلك التمني الذي كان  خديت كل نفس ـ كان في غير محله ـ و إن الله جلت حكمته خار لذلك الرجل العظيم فاختار له ما عنده لحكمة دقيقة ، و هي أن لا يريه خيبة أمله من أمته  و أن لا يجرعه المرارة التي تجرعناها  فقبضه إليه بعد أن أدّى الأمانة على أكمل وجوهها  وافر الكرامة مشكور المساعي مملوء النفس بالرجاء و الأمل من حسن عاقبة الأمة التي وقف حياته على نفعها و الإسلام الذي قصر مواهبه الجليلة على خدمته و نصرته و تبين حقائقه و المناصحة عنه بقلمه و لسانه ـ رحمك الله ـ أيها الإمام العامل ـ كما رحم بك هذه الأمة و أقام بك حجة الإسلام و أراحك من مشاهد شهدناها تجلب الأسى و تصهر الجوانح و تحز الفؤاد...

حلت الكارثة بتلك الدولة التي سامت الجزائريين عذاب الهون و ما هي كارثة كالكوارث و إنما هي محق و استيصال و أذاقها الله  لباس الجوع و الخوف كما أذاقت الجزائريين و أبقى منها غالبها القاهر شبحا لا يدل على الإبقاء و الاستحياء أكثر مما يدل على الإبادة و التنكيل .فما ذا كان  من هذه الأمة المسكينة و من الأمم التي تشاركها في الجوار و الدين و اللغة و بلاء فرنسا ـ مع هذا الشبح الضئيل من دولة ؟

كان المنتظر المعقول من هذه الأمم بل النتيجة الطبيعية لاستعباد فرنسا لها و للسقوط المريع الذي سقطته فرنسا ـ أن تثور أمم الشمال الإفريقي على ذلك الشبح ثورة ماحقة  و أن تقضي على السلطة الفرنسية الفرعية كما قضى عدوها الضافر على الأصل و تحرر نفسها ذلك التحرير الذي طالما  تغنى به الشعراء و هدرت به شقا شق البلغاء  و طالب به………………..الزعماء و كان الجميع يتحينون له الفرص و قد أمكنت الفرصة التي لا يجود الزمان بمثلها و لا يمكن أن تتجدد في عشرات السنين و لا في عشرات القرون و هيهات هيهات مما يتخيل المتخيلون من فرصة كهذه إلا أن الفرص هي أمضى الأسلحة عند الأمم المتيقظة . و لكنها لا تقطع إلا في يد من يحسن استعمالها و ما استعمالها إلا افتراصها لأول ما تحن و اصطيادها لأول ما تلوح.

و لكن هذه الأمم الذليلة قابلت تلك الكارثة ـ التي هي في الحقيقة مفتاح سعادتها و أساس تحريرها ـ باستغراق شامل من الجمود و الخمول و صدقت شهادة عدوها فيها أنها مجنونة بحبه و أنها تفرح لفرحه و تحزن لحزنه و تموت ليحيا و تحيا ليركب و يحلب و يستغل و كان موقفها عند موته أصدق في باب الشهادة من موقفها يوم اندفعت ذلك الاندفاع لنصرته و الذود عن حياضه.

ثم طفق أمراؤها و رؤساؤها و زعماؤها و شعراؤها إلا من رحم ربك يرددون باسمها نغمة واحدة عالية بلا حياء و لا خجل  من التسبيح بحمد الدولة الميتة على ما أفاءت  على هذه الأمم من نعم و فيض كرم منذ حكمتها فأقرت العامة هذه اللعنة في مستقرها بل شاركت في كثير من أسبابها و رضيت به خزيا لا تمحوه الدهور ، ثم فرض عليها في الخلوات و الجولات و على صبيانها في المدارس نوع غريب من الغباءة لم يأت بها بودا ولا برهما و لا كنفيشوس  و لا مشائخ الحلول و غلاة الباطنية و هو استحضار رجال فرنسا الذين أنقذوها بزعمهم في كل بال و إطراؤهم في الخصائل و خلع حلل المدح و الكمال عليهم.و ما هم عندي و عند العقلاء المتبصرين ـ إلا فلول حرب و أبطال هزائم .لو تجسمت ألقابهم و نطقت نيا شيهم. للعنتهم و قالت : إليكم عني مما انتم مني.و لعمري و عمر الحق ـ إن ألقاب جنرال و أميرال و غيرهما من مواليد العز و الكرامة و أوضاع السؤدد و الفخامة ـ يقبح كل القبح بأمة مهزومة هزيمة عار أن تحلي بها رجال الهزيمة إن كانت لها بقية من شرف ـ و لو كانت هذه الأمة المهينة تدرك للشرف معنى لنسخت هذه الألاب قبل أن تنسخ قانون كريميو و ما جرى مجراه ـ و لو أن حامليها يدركون معنى للحياء لأنفوا من إطلاقها عليهم و لعدوها نبزا شائن و هروا قبيحا يراد منهما ما يراد من قولك : المغلوب ، المهزوم و لكن لن ينفع الشرف و الحياء كل فخرهم بالاستطالة على الضعفاء و لنرجع إلى أمتنا  التي لبست لهذا الطرف لبوسه ـ إنها أقرت هذه العبادة و عملت بظواهرها منقادة طائعة و اشترت صور عظماء فرنسا بما لها حتى ليوشك أن تكون في كل بيت صورة و صورتان و رؤساؤها (الزما نيون و الروحانيون)يتعاهدونها بالتذكير كي لا تنسى و بالتنبيه كي لا تغفل فألهوها بذلك حتى عن المطالبة بالخبز أو التذمر من البؤس . و أبى لهذه الأمة خزيها و مهانتها أن ترفع صوتها بإنكار منكرا و مطالبة بحق . و الحكومة جادة ـ إلى هذا الحين في تقرير هذه العبادة و فرض رسومها و لولا أنها تعلم ذل الأمة و انقيادها لما تؤمر به لنضبت لتقرير هذه العبادة ( محاكم تفتيش)

اندمل الجرح و أصبح خضوع الأمة و انقيادها أمرا مألوفا و زادت على الخضوع و الانقياد رعبا و رهبة لم يكن لهما عهد حتى في عهود القوة و القسوة بالفرائس ترتعد و الأفئدة ترتعش و اللسنة قد ضرب عليها الخوف عقدة من السكوت المطبق إلا عن مدح فرنسا و عظماء فرنسا فلا تسمع في المحافل و المجامع إلا : فرنسا رحيمة فرنسا عادلة فرنسا حية خالدة ، و سنفصل ذلك في فصل آت.

تبا لهؤلاء الأذلاء الكاذبين و الجبناء المتملقين و قطعا لتلك الألسنة التي تصف الكذب الصراح و ويل لهذه الأمة التي أقرتهم فأقرت الجبن في مجموعها و سجلت الخزي على أصولها و فروعها و تهورت في ضلالة متماهلة نطق الناطق فيها كسكوت الساكت . فلا يتهمني متهم بأنني بالغت و عممت  يرد علي لأن في الأمة رجالا لا يقرون هذا العار و أن في الأمة نفوسا مطمئنة بالإيمان و الشرف ، و من الأمة  ألسنة ساكتة على مضض ، و أقول لهذا الراد هون عليك فآنا أول من يعلم ذلك و لكن أين آثاره التي تشهد و أين الأعمال التي تخرس السنة الناقدين  .

و لو أن قومي أنطقتني رماحهم

و لكن الرماح أجرمت

افترض في مثل هذه الفرص الثمينة أن نكون مثل قواعد البيوت فتمر الفرصة التي لا تعوض ثم لا يكون حظنا منها إلا الحوقلة و ما تنطوي عليه الضمائر من النيات ( الحائمة ) إن  الله تعالى يقول : فينظر كيف تعملون و لم يقل كيف تنون ؟ و إن الأمم لم تحي بالنيات و الخواطر الصالحة و لا تحيا بها أبدا و إنما تحيا بالأعمال و إن سنة الله  أنها لا تسقط أمة ظالمة إلا سكون سقوطها نهوضا لأمم و حياة لأقوام.و إن سنن الله لا تتحقق إلا بعمل العاملين .فما عملت هذه الأمة ؟

نسجل بعد هذه الزمرة أن أخزى ما وقع من أكاذيب لسنة كاملة و أوجب للعنة الخالدة هذه الكلمات ـ و لا نبالي من أي لسان صدرت ـ فرنسا عادلة .فرنسا رحيمة.فرنسا حية.فرنسا خالدة. فمن لي بمن يقول للكاذبين على الله و سننه و الواقع و حقائقه : إن كذبا على الحقيقة أن تصفوا الغراب بأنه ابيض ، فإذا قلتم ـ مع ذلك ـ أنه غرّيد فقد كذبتم على الحقيقة و اللغة معا و عززتم الكذب بفاحشة الفواحش و هي الظلم للبلبل...

 

هذا و بعد أن انجلى الغبار عن هذا الخزي و هذا العار رجعت إلى نفسي و خلوت بها فانقدحت لي في هذا الباب علل و أسباب و مرت بي خواطر و ذكريات مما يتصل بهذه الحال فأعدت النظر في أصل المسألة و هو حال هذه الأمة لنصحح ما كان لنا فيها من الموازين الخاطئة و لنلائم بين طرفي ما كنا نسميه النهضة فأمليت على القلم فصولا بلا نظام و خواطر بلا التئام كانت كالنفاثات لا يملك المريض لها ردا .ثم جمعتها على هيئة تشبه الترتيب و إني أبرا إلى المطلع عليها و لو بعد موتي مما يراه فيها من تفكك الأساليب و تكرار القول و عدم الموادمة بين بعض الجمل و معانيها.فإنها صدرت عن فكر مريض فما أجدرها أن تسمى " خواطر مريض" و لكني لا أسمح له أن يتحكم لي في مراد أو يفزع إلى اللجاجة و العناد  فلعله لا تنطوي جوانحه على عشر ما تنطوي عليه جوانحي من محبة لهذه الأمة و إخلاص لها و لم يعمل عشر ما عملت لها من أعمال نافعة و لم يلق في سبيلها عشر ما لقيت من أذى و إعنات ، لا أعني النفي فقبل النفي كانت هانات و هانات ولا أدري ما ذا سيكون بعده. و كما أنه ليس من محبة المريض عدم القسوة في علاجه حتى لا يستشري الداء كذلك ليس من محبة الأمة في شيء السكوت عن سيئاتها و الإغضاء عن زلاتها . و نخن قوم لم نتعود السكوت عن الباطل و الشر فإن سكتنا عنهما فبئس حاملو القرآن نحن إذن و لو كنا نسكت لسكتنا في هذا الباب الذي في التعرض له ضرب الرقاب.

إن الأمة الرشيدة الصالحة هي التي تستفيد من خطإها أضعاف ما تستفيد من صوابها و إن هذه الأمة تستقبل اليوم طورا جديدا من أطوار حياتها و قد طم أساسه على وهي  فالحذر الحذر أيتها الأمة و التحذير التحذير أيها العاملون المخلصون .

و إذا سرّ غيري أن يكون من المتفائلين فقد رضيت في هذه الحال خاصة و عن خبرة ـ أن أكون من المتشائمين و سيسجل التاريخ :……………………………………………………………………………………………………

و قال المبتلى أنت معافى .على أنني بفضل الله لا أيأس من روح الله. و أثوب في إخواني العاملين : أن ابدءوا العمل من جديد من حيث بدأتم أول مرة و لا تهولكم أخطار الطريق و لا يقعدن بكم بعد الشقة و…….. السفر . جنبنا الله و إياكم فتنة الرأي و رزقنا الإخلاص و الصبر و الثبات.

 
مقارنة بين عهدين

 

من وظائف الباحث في أحوال أمة ـ إذا كان يريد أن يخرج بنتائج صادقة مدعمة بالأدلة ـ أن يقارن بين أحوالها المتشابهة و حركاتها و مظاهرها و مواقفها في الحوادث الكبرى و آثار تلك الحوادث فيها و يوازن بين النتائج ليعرف : ألي صعود هي أو إلى هبوط و ليعرف مقدار تأثرها بالمثلات و العبر و مقدار استفادتها من التجارب .فإذا استعملت هذا الميزان في خال أمم الشمال الإفريقي في الحرب الماضية العالمية و حالها في هذه الحرب ، و كان الوزن بين حالة و حالة من هذه الثلاث :

                                            1.        كيف كانت وضعية هذه الأمة الواحدة في تلك الحرب و كيف كانت في هذه الحرب

                                            2.        بأية نفسية قابلت تلك الحرب و بأية نفسية قابلت هذه

                                            3.        بأية نتيجة خرجت من تلك الحرب و بأية نتيجة خرجت من هذه.

إذا استعملنا الميزان على هذه الصورة انكشف لنا ما هو مدهش و محزن و مخز في آن واحد.

 

الوضعية في الحرب الماضية

 

كانت هذه الأمة خاضعة للاستعمار الفرنسي  و أحكامه الخائرة خضوعا مطلقا يستوي فيه جناحاها المحميان و وسطها المملوك. و كانت كلها لا تعرف معنى للمطالبة بالحق المغصوب و لا المطالبة بالتخفيف و التيسير و كانت العامة ـ و هي كل الأمة تقريبا ـ تعتقد اعتقادا جازما بأن الحكم الفرنسي حكم خالد قرره ديوان الأولياء الصالحين في اجتماع عام بإجماع تام.فلا نطمع في زواله بل كانوا يعدون إقراره و الرضا به رضا بحكم أولئك الأولياء و جاريا في معنى حبهم و الطاعة لهم ـ و كانت قوانين الزجر الخصوصية معمولا بها على اشدها في الجزائر و قوانين أخرى لا تقل عنها قسوة و فضاعة جارية بتونس و مراكش ـ و كانت هذه الأمم كلها بعيدة عن أسباب اليقظة و الانتباه إلا رهطا لا يؤبه له في هذا الشأن و كانت متشابهة الأجزاء في فقد الشعور الإسلامي العام و الشعور الوطني الخاص إلا شيئا لا قيمة له. و كانت ـ على الجملة ـ بعيدة عن الحياة السياسية بعد السماء عن الأرض ـ و كان الاتصال بين الممالك الثلاثة في حكم المنقطع لأنه ضعيف الأثر و كان قانون التجنيد الإجباري في الجزائر وحدها لم يزل غضا و النفوس منه واجفة و صوت المعارضة فيه دون الجهر و فوق المخافتة.

 

النفسية التي قابلت بها تلك الحرب

 

و مع ذلك الجمود القاتل الذي كان مستوليا على مشاعر هذه الأمة بأجزائها و الذي وصفنا بعضه ـ و مع تلك العقائد التي تكفي وحدها لتسجيل العبودية الأبدية على الأمة التي تدين بهاـ مع ذلك كله ـ و مثله معه ـ  فإن هذه الأمة لم تستجب لداعي التجنيد و الدفاع عن فرنسا بسهولة و لم يندفع واحد منها من تلقاء نفسه إلا بقريب من النسب الجزئية التي كانت قبل الحرب بل كان التذمر من التجنيد باديا على الجميع و قد ظهرت بسببه حركات عصيان خطيرة في عدة نواح من الجزائر و في غيرها من غيرها على غير ائتمار و لا مواطاه بل بدافع نفساني. و انتهت بعض تلك الحركات إلى إراقة الدماء و نذكر على سبيل المثال واقعة عين التوتة في جنوب قسنطينة.

أضف إلى جميع ما تقدم ـ لتسجيل المقارنة التامة ـأن تلك الحرب كانت خيرا عميما على هذه الأمة فراجت التجارة و غلا سعر المبيعات غلاء معتدلا و تدفقت خزائن الحكومة بالمرتبات الضخمة فلم تذق الأمة طعما للمجاعة و لا عرفت معنى للمضايقة و لا فقدت شيئا من الضروريات و لا من الكماليات.

 

نتائج تلك الحرب في الأمة

 

كانت نتيجة تلك الحرب من هذه الأمة بجميع أجزائها تنفيسا صوريا و تخفيفا سطحيا من قسوة الحكم الإداري . و لسنا صبيانا نخدع عن اللبن فنسمي ذلك التنفيس جزاء لهذه الأمة على دفاعها عن فرنسا و إنما تلك المظاهر الغرارة التي طنطنت بها الحكومة الفرنسية في ذلك الحيز ……….فوق الرضى للجزائريين على الخصوص ـ هي مكائد من شر ما صاغته السياسة الاستعمارية و سمته بغير اسمه تعمية و مكر السيئ .و قد كانت لتلك المكائد في الأمة التي تلقتها بالفرح ـ عواقب الأمراض المتسامحة ـ لا تكون إلا فتكا و تمزيقا و لها ظواهر كظواهرها تغر بالسلامة و تغري بالتفريط و نعتبر ذلك بمهزلة الانتخابات النيابية التي أعطيت للجزائري كمكافأة و ما جرت على الأمة من تبديد أموال و تقطيع أرحام من غير فائدة و لا شبه فائدة.

إنما الشيء المعتبر الذي يستطيع الباحث أن يسجله كأثر صحيح من أثار تلك الحرب في نفوس الأمم المستعبدة ـ و منها أمة الشمال الإفريقي ـ  و يستطيع الجزائري أن يعتبره كأنفس شيء هو شيء من اليقظة و الشعور طاف طائفها بهذه الأمة بعد أن لم يكن  موجودا ـ فلا يشك عاقل مميز يزن الأشياء بموازينها و يردها إلى أصولها ـ إن الحالة الفكرية تطورت في الأمة الجزائرية إلى أحسن و أن لا سبب لذلك إلا الحرب .

و ذلك شيء طبيعي في الحروب , لها سمات خصوصية تطبع بها الأفكار و تنقلها من حال إلى حال فتكون في المستعدين ثورة و انقلابا و في المخضرمين حركة و اضطرابا و في الجامدين مثلنا سؤالا و جوابا.

فالأمة الجزائرية تطورت تطورا فكريا محسوسا لا يد للمستعمر  فيه و ليس من غرضه و لا فصله و إنما هو كما بينا من الآثار الاضطرارية للحرب ـ و ظهر اثر ذلك التطور واضحا في مشاركة جزئية في الاقتصاديات و في الإقبال على التعليم بنوعيه , و في انطلاق الألسنة بالكلام و لو فارغا برقت في الجو النيابي بارقة خافتة بما يسمى المطالبة بالحق ثم تطورت تلك الآثار بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب فظهرت في تأسيس النوادي و الجمعيات  و تشييد المدارس و المساجد و بلغت في بعض النواحي درجة قريبة من الكمال و من هذه الآثار و نتائجها تألفت وضعية الأمة في مبدأ هذه الحرب

 

وضعية الأمة في هذه الحرب

 

النسبة بعيدة جدا في وضعية الأمة في هذه الحرب و في وضعيتها في الحرب العالمية ، فقد تقدمت الأمة بعدها في التعليم بقسميه  خطوات واسعة و تزحزحت عن المكان الذي كان ممهدا لها في الأمية و بلغت طائفة من أبناء الأمة درجات عالية في الطب و الحقوق و غيرهما عل نفقة………. من أبناء جيل ما قبل الحرب و هذه النقطة وحدها من أدل الدلائل على عمق التأثر .

و ارتفع صوت الإصلاح عاليا فاسمع الصم نداء………. في الجزائر ثم سرى في الجناخير بطا ببطئه في الجزائر سريعا معا بسرعته إلى أن تغلغل بين زحف أوليائه و رد أعدائه إلى جميع قلوب الأمة  و نازل العقائد الزائفة في مستقرها من نفوسها فأزال ما أزال و زلزل ما زلزل ، زعزع تلك العقيدة الفتاكة التي أشرنا إليها ـ عقيدة الاتكال على الأموات ـ و بلغ نظام الجمعيات في الأمة درجة عالية ـ و نظام الجمعيات و إدارتها هو الدرس العملي الأول  في علم أساليب الادارة و تفتقت الألسنة على الخطابة الدينية و السياسية فبلغت في هذا المضمار شأوا بعيدا و طهرت العقائد من أدران الخرافات  و العقائد هي ملاك الأمم . هذا و كانت المؤثرات البارزة  في الأمة ثلاثة تختلف مبدأ و تلتقي غاية و هي حركة جمعية العلماء في الإصلاح الديني  و هي ذات الوسائل الفعالة في تحريك الأمة و حركة الوطنيين في بث الشعور الوطني و حركة الشيوعيين في النزعات المتطرفة من التشغيب على الإدارة الحكومية و قد فعلت هذه المؤثرات فعلها في تحريك الأمة و علمتها كيف تكافح الباطل في الدين و الدنيا وجها لوجه .

 

النفسية التي تلقت بها هذه الحرب

 

لم نعرف في أحوال الأمم نتيجة أبعد من مقدماتها من نتيجة ما كنا نسميه النهضة العربية بالشمال الإفريقي و قد عرفت مظاهرها من العنوان الذي قبل هذا ، فقد كان المستعمرون يتشاءمون بتلك النهضة و يعدون ـ قبلنا ـ من نتائجها الطبيعية القريبة فعود الجزائريين عن نصرة فرنسا و إعانتها في الحرب المتوقعة إذ ذاك . أما نحن فما ـ قط ـ خالطنا الريب في هذا بل كنا نعده نتيجة لازمة لتلك النهضة هو معها كالمتلازمين العقلين لا اختلاف بينهما ، خصوصا مع إصرار فرنسا على العناد و المعاكسة في إعط