المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هنري برغسون


dali--info
06-21-2008, 05:52
هنري برغسون هو فيلسوف فرنسي توفي عام 1941، ترأس لسنوات طويلة اللجنة الدولية للتعاون الفكري التي مقرها مدينة جنيف، له العديد من المؤلفات الفلسفية من بينها: «دراسة حول المعطيات المباشرة للوعي» و«التطور المبدع» و«مصدران للاخلاق والدين».. وغيرها، كان لافكاره تأثير كبير على عدد من الكتاب والفلاسفة من بينهم مارسيل بروست، اصبح عضواً في الاكاديمية الفرنسية عام 1914 ونال جائزة نوبل عام 1927.


في عام 1911 كتب هنري برغسون في احدى رسائله جملة تقول: الفلسفة هي ان يتخذ الانسان قراراً بأن ينظر بسذاجة في ذاته وحول ذاته وقد كان يمكن لمثل هذه الجملة ألا يراها احد لو لم يتم نشر مراسلاته بعد عقود طويلة من نشره لوصيته التي تعود لعام 1937 اي قبل اربع سنوات من وفاته والتي قال فيها: اصرح بأنني قد نشرت كل ما اردت ان يطلع الجمهور عليه، وهذا يعني انه لم يكن يريد ان يتم نشر اي عمل غير مكتمل، كان قد شرع به.. او نشر اية مادة كان يراها تخص حياته الحميمة وبالتالي لا تعني أحداً غيره.


لقد اراد هنري برغسون ان يجعل من حياته «قلعة مغلقة» محظوراً دخولها على الجميع.. لكن مثل هذه الارادة لم يتم احترامها بعد وفاته.. بل واصبحت جميع ابواب هذه القلعة ونوافذها متاحة مع نشر 1800 رسالة شخصية كان برغسون قد كتبها لعدد من اصدقائه ومعارفه..


هذا بالاضافة الى درس كان الفيلسوف قد القاه في «الكوليج دو فرانس» عام 1902 تحت عنوان «تاريخ فكرة الزمن»، تجدر الاشارة هنا الى ان برغسون قد درس باسهاب وعمق مفهوم «الزمن» ونسبيته.


ان هذه الرسائل المنشورة لا تلقي في الواقع إلا اضواء ضئيلة وشاحبة على الحياة الخاصة بالمعنى الذي كان يقصده اولئك الذين يحبون التنبيش في اسرار الآخرين ذلك ان مضمون هذه الرسائل هو ذو طبيعة فلسفية بالدرجة الاولى وليس فيها اية اعترافات تقلل من جفاف معالم صورة هذا الفيلسوف الزاهد الذي احتل اعلى المراكز في فترة ما بين الحربين العالميتين وكان طريقه زاخراً بالالقاب وبالزهور لكنه بقي دائما احد رموز «جمهورية الاساتذة» كما قال فيما بعد تلميذه «البير تيبوديه».


ان تلك المكانة المرموقة التي احتلها هنري برغسون تبدو كما تفصح عنه رسائله ابعدته عن الحياة كي يكرس اغلبية وقته لدراساته وابحاثه وللرد على الرسائل التي كان يتلقاها بمعدل ثلاثين رسالة كل يوم.


الاصدقاء والمعارف الذين كتب لهم برغسون هم في اغلبيتهم من «اصحاب العقول» مثل الفيلسوف وليام جيمس الذي كان المحرك الاساسي في نشر افكار هنري برغسون في الولايات المتحدة الاميركية وكان من بين الذين راسلهم الشاعر الكبير بول ليري الذي يبدي برغسون اعجاباً شديداً بأعماله بينما لا يبدو فيما كتبه للروائي الكبير اندريه جيد صاحب كتاب «الغذاء الارضي» سوى بعض اللياقة الشكلية اكثر مما هي تعبر عن عواطف حميمية.


ومن بين الرسائل الملفتة للانتباه تلك التي كتبها هنري برغسون للرئيس الاميركي روزفلت عام 1941 ومما جاء فيها: «سيادة الرئيس صاحب هذه الرسالة هو فرنسي احب دائما اميركا واعجب بها وكان اول من علم في فرنسا بأن اميركا هي ارض المثالية وبأن الكرم يشكل قرارة الروح الاميركية.. سيادة الرئيس ان مصائر اميركا ومصائر اوروبا يتم البت بها في السهول الفرنسية، واذا شاء الحظ العاثر بأن لا تستطيع انجلترا وفرنسا متابعة النضال فإن هتلر سوف يصبح سيد اوروبا وسوف يستدير بعدها مباشرة نحو اميركا.. ويبدو لي انه قال هو نفسه شيئاً بهذا المعنى فهذا شيء واضح بحد ذاته.


تجدر الملاحظة هنا الى ان المشهد الثقافي الفرنسي يشهد اليوم عودة للاهتمام ببرغسون بعد ان كان قد جرى اهماله لعدة عقود من الزمن على قاعدة الشكوك التي كانت تحوم حوله بأنه معاد لهيغل وشديد الحذر حيال النزعة المادية التي نادى بها كارل ماركس وحذره المبكر من الاشتراكية التي وصفها بأنها ذات نزعة تسلطية هذه الاتهامات كلها ادت الى احجام المثقفين الفرنسيين باغلبيتهم الساحقة عن افكاره،


بل لم يتردد جان بول سارتر عن القول في الستينيات بأن اعمال برغسون قد عفا عليها الزمن لكن هذه الشكوك نفسها قد لا تكون بعيدة عن عودة برغسون الى واجهة الاهتمام الثقافية في فرنسا اليوم، فرنسا التي يفصح في رسائله بأنه قد تعلق بها دائما وحيث كتب في احدى رسائله عندما بلغ الثمانين من عمره لصديقه فلاديمير جانكيليفتش ما يلي: لقد تساءلت طيلة حياتي كيف استطيع ان اعيد للبلاد بعض ما كانت قد اعطته لي. فأنا مدين لها بكل شيء.


الصفحات الاخيرة من هذا الكتاب تتضمن الوصية التي كتبها برغسون عام 1937 والتي يذكر فيها كتابه «بأنه يتخلى نهائيا عن فكرة اعتناقه الكاثوليكية التي كان قد فكر بها ذات يوم.. وهو من اصل يهودي بولندي.


وهنري برغسون يعود الى الواجهة من جديد.
هنري برغسون آخر إسم عظيم في الفكر الأوروبي
إعداد وفيق غريزي


عجلة الفلسفة كعجلة الزمان لا تكف عن الدوران, وهي قد دارت بعد الحرب العالمية الثانية بسرعة لم تكن بالحسبان, حتى لقد “عفّى الزمن على فلسفة برغسون فأصبحت في خبر كان”. هكذا يزعم بعض أنصار التجديد من دعاة كل ما هو عصري مستحدث, خصوصاً وأنهم يظنون بالفعل أن الفلسفات الوجودية قد خلعت البرغسونية عن عرشها الى غير رجعة! ولكن إذا كان برغسون لم يعد فيلسوفاً عصرياً, فهل يعني هذا أن نضع باقة من الزهور على قبره, لكي نمضي سريعاً الى “الحي اللاتيني” فنسير مهللين لجان بول سارتر؟ كلا ولا ريب, فإن سارتر لم يبدأ إلاّ من حيث انتهى برغسون, على الرغم من أننا قد نتوهم أحياناً أن “الوجودية” هي البرغسونية مقلوبة! وإذن فإننا لن نفهم الوجودية الفرنسية نفسها, إلا إذا رجعنا الى برغسون الذي سبقها الى القول بالصيرورة والديمومة والزمان والحرية. فمن هو هذا الفيلسوف الكبير؟

بزوغ النهار

ولد هنري برغسون في باريس العاصمة الفرنسية في 18 تشرين الأول عام 1859 من أبوين فرنسيين, ويُقال أن أمه من أصل إنكليزي. ولا نبالغ في أهمية الأثر الروحي الذي تركته في نفس برغسون ثقافة أمه الإنكليزية. وقد استطاع فيلسوفنا منذ صباه أن يتملك ناحية اللغة الإنكليزية, وذلك بفضل رعاية والدته التي كانت تشرف على تعليمه وتثقيفه. وقد أرجع بعض المؤرخين حب برغسون للحياة, وميله الى النشاط والعمل, وخياله الخصب المتدفق, ونزوعه المستمر نحو اللانهائية, الى ذلك الأثر النفسي العميق الذي خلّفه في نفسه تعلّقه بوالدته ومحبته لها.
الثقافة الفرنسية التي تلقاها برغسون في ليسيه كوندرسيه, ثم في مدرسة المعلمين العليا, هي التي كان لها القسط الأوفر في توجيهه نحو الدراسات الفلسفية. ولئن كان برغسون قد أشهر منذ صباه استعداداً كبيراً للعلوم والرياضيات بصفة خاصة, إلاّ أن ميله للآداب لم يكن يقل عن ميله الى العلوم, ولهذا فإنه لم يلبث أن دخل شعبة الآداب في مدرسة المعلمين العليا سنة 1878 حيث كان زميلاً لكل من جان جوريس وموريس بلوندل وغيرهما...
تلقى برغسون في هذا المعهد ثقافة فلسفية ممتازة, فتتلمذ في السنة الأولى على الأستاذ أوليه لا برون الذي كان مشهوراً بنزعته الأخلاقية المسيحية, ثم تتملذ على الفيلسوف الروحي إميل بوترو. ولم يصرف برغسون إشتغاله بالفلسفة عن الإطلاع المتواصل على الآداب القديمة, وخصوصاً الأدب اليوناني.
وقع تحت تأثير فلسفة هربرت سبنسر. وكان برغسون في تلك الفترة مأخوذاً بالعلوم الدقيقة والمناهج الوضعية, فلم يكن يضمر للميتافيزيقيا سوى العداء والإزدراء, مما حدا بزملائه الى اعتباره مادياً أو وضعياً.
عيّن برغسون أستاذاً للفلسفة بليسيه أنجيه سنة 1881 ثم ما لبث أن نقل الى ليسيه كليرمون فران سنة 1883, وهناك أخذ ذهنه يتفتق عن نظرية جديدة في الزمان, وهذه النظرية هي التي اقتادته الى الدراسات السيكولوجية التي كان قد أغفلها حتى ذلك الحين.
والظاهر أن برغسون قد اجتاز أزمة عقلية حادة في الفترة التي قضاها بتلك المدينة, ولو أن تلك الأزمة لم تكن وليدة أحداث نفسية عميقة, بل هي كانت مجرد تعبير عن “تجربة روحية” مرّ بها في مسقط رأس الفيلسوف بسكال.

فلسفته

يقول برغسون: “إن مشاكل كل فيلسوف هي مشاكل عصره, كما أن العلم الذي يستخدمه أو ينقده هو العلم السائد في زمانه, ولكن هذا لا يبرر القول بأن فلسفته هي مجرد تأليف جديد لعناصر قديمة, أو مجرد مزج وتركيب بين نظريات معروفة”.
استطاع فيلسوفنا أن يلفت الأنظار الى منهجه الجديد في البحث, وطريقته الخاصة في حل المشاكل. فلم تكن الرسالة التي تقدم بها منحصرة في ما تضمنته من نتائج (أعني في تقرير حقيقة الزمان وإثبات واقعة الحرية). بل قد وجد النقّاد فيها أيضاً طريقة جديدة في حل أعسر المشاكل الميتافيزيقية يتجاوزها والإمتداد الى ما وراءها. ولقد اختط لنفسه برسالته في “الزمان والحرية” طريقاً فلسفياً ممتازاً لم يكن عليه من بعد سوى أن يواصل السير فيه بانتظام.
في سنة 1898 قدّر له أن يُنقل مدرساً للفلسفة بمدرسة المعلمين العليا. وفي سنة 1900 عيّن أستاذاً للفلسفة القديمة بالكوليج دي فرانس, ثم استاذاً للفلسفة الحديثة في المعهد نفسه في سنة 1904. كان يرى أنه لا بد للفلسفة, حتى في أكثر تحليلاتها عمقاً, وأشد تركيباتها سمواً, أن تستخدم اللغة العادية التي يفهمها عامة الناس. ولكن البساطة لا تعني السهولة, كما أن الوضوح لا يتنافى مع العمق, ولم تكن رغبته في استخدام اللغة المألوفة لدى السواد الأعظم من الناس لتحول بينه وبين التعرّض لأشد المعضلات الفلسفية عمقاً.
عام 1901 انتخب برغسون عضواً بأكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية بالمعهد, ثم انتخب عضواً بالأكاديمية الفرنسية. وفي سنة 1928 حصل على جائزة نوبل في الآداب. وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى, انطوى برغسون على نفسه وأخذ يفكر في الدلالة السيكولوجية والميتافيزيقية للحرب, فكانت ثمرة تأملاته بحثاً تحت عنوان “معنى الحرب” سنة 1915. وفيه يتساءل عن مصير الإنسانية ومعنى التقدم, ويعرب عن ثقته في إنتطار القيم الروحية والقيم الأخلاقية والمثل العليا ضد قوى الشر والإنحلال, ودعاة الآلية والمادية, وأنصار البغي والظلم والعدوان.
لقد أقعد المرض برغسون الى آخر حياته, حيث توفي سنة 1941, ولكنه ظل يواصل قراءاته, مغالباً المرض والضعف والشيخوخة, مهتماً على الخصوص بدراسة كتب التصوّف والأخلاق والإجتماع. الى أن أصدر كتابه الضخم “ينبوعا الأخلاق والدين”الذي أحدث ثورة في الأوساط الفلسفية والدينية, إذ وجد فيه الناس نبرة صوفية لم يعهدوها من قبل في برغسون.
يؤكد فيلسوفنا أن الميتافيزيقيا الحقيقية إنما هي تلك التي تعدل عن كل براعة لفظية وكل نزعة تصورية, لكي تقوم بعملية “إنتباه شاقة, فيها تستغني عن كافة الرموز, لكي تمضي الى الأصل نفسه, محاولة أن تنفذ الى صميم حياته الباطنة. وعندئذ لا بد أن تستحيل الميتافيزيقيا الحقة الى “تجريبية حقة” فيها تقوم بضرب من الفحص الروحي, نستطيع معه أن نحس بنبضات قلب الواقع”. والفيلسوف لا يطيع ولا يأمر, بل هو يسعى دائماً الى أن يصادق, ويشارك ويتعاطف. وهذا التعاطف في الحقيقة هو ما يعنيه برغسون بالحدس, إذ المعرفة الحدسية هي في جوهرها معرفة مباشرة فيها نمزّق حجب الألفاظ وشباك الرموز, لكي نغوص في طيّات الواقع ونمضي مباشرة الى باطن الحقيقة. وهدف برغسون الى أن يحرر الفكر الفلسفي من عبودية اللغة, وذلك بأن يلتجئ الى الصور والتشبيهات.. آملاً من وراء ذلك أن يتجاوز تلك الميتافيزيقيا اللفظية التي تقوم على اللغة وحدها, لكي ينفذ الى طبيعة الأشياء الحيّة النابضة. وحرص على أن يؤكد أن حدسه هو أقرب الى التفكير منه الى العاطفة. والحدس البرغسوني في صميمه استغناء عن الرموز.. وإدراك مباشر للواقع. ولكن للحدس ميزة لا تشاركه فيها أية ملكة أخرى, لأن الحدس وحده هو تلك “التجربة الميتافيزيقية” التي فيها تنكشف لنا ذواتنا, فندرك المطلق في صميم نفوسنا. والواقع أن الشعور بالذات هو تجربة ميتافيزيقية أولية ننفذ فيها الى باطن الكون في عين اللحظة التي فيها تنفذ الى ذواتنا.

أهميته

إثر وفاة برغسون, وفي 9 أيار عام 1941 عقدت الأكاديمية الفرنسية إجتماعاً خاصاً أعلنت فيه الحداد لوفاة هذا الفيلسوف, فوقف الشاعر الكبير بول فاليري يؤبّن فيلسوف فرنسا الأكبر في عبارات قوية ملؤها الأسى والحزن العميق, واختتم حديثه بقوله: إن الصورة التي قدّمها لنا برغسون للإنسان المفكر لهي صورة سامية, نقية, ممتازة. وربما كان برغسون آخر مفكر عرفناه استطاع بحق أن يكرس حياته لخدمة الفكر في نزاهة وعمق, خصوصاً في هذه الآونة التي شحّ فيها الفكر ونضب معين التأمل, وأخذت الحضارة تستحيل شيئاً فشيئاً الى مجرد ذكريات وآثار نحتفظ بها في عقولنا عن عهد مضى وكان حافلاً بالثراء العقلي الضخم والإنتاج الحر الغزير. أما اليوم أضاف فاليري, فإننا لا نكاد نجد من حولنا سوى مظاهر القلق والشقاء والكبت بكافة أنواعه, مما أثقل كاهل الروح...
وفي وسط هذا العهد المظلم, يبدو برغسون من وراء الأفق شخصية راحلة تنتسب الى عهد مضى, وسيظل إسمه آخر إسم عظيم لمع في تاريخ الفكر الأوروبي.

المشرف العام
06-21-2008, 05:54
مشكوووووووووور على المجهود تابع نشاطك حبيبي

حاتم03
06-21-2008, 16:49
بارك الله فيك اخي.