التناص الصوفي في شعر البياتي - منتدى الأغواط نت
0   0
 
 
صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 2 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 2 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1
العودة   منتدى الأغواط نت > المنتدى التعليمي > منتدى الطلاب > العلوم الإجتماعية و الانسانية
التسجيل التعليمـــات المجموعات الإجتماعية التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

العلوم الإجتماعية و الانسانية خاص بشعبة الآداب، اللغات، علوم النفس و التربية، فلسفة، تاريخ ، علم الإجتماع...

....

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: كيف تختار بنت الحلال؟ (آخر رد :mohamed riad)       :: مجرد اقتراح (آخر رد :mohamed riad)       :: لعبة الفيلم الشهير Captain America للاندرويد (آخر رد :karimoux)       :: حمل تطبيق الاوفيس للاندرويد MS Office Free (آخر رد :karimoux)       :: لعبة Tekken 5 نسخة تعمل على الكمبيوتر (آخر رد :karimoux)       :: اقوى برنامج للتعديل على الصور بمميزات رائعه Nikon Capture NX 2.4.7 (آخر رد :karimoux)       :: مشغل الميديا المتميز Zoom Player 9.01 فى احدث اصدار (آخر رد :karimoux)       :: عملاق الحمايه القوى والقادم بقوة Ashampoo Anti-Virus 2014 1.1.0 (آخر رد :karimoux)       :: اجمل لحظاتي (آخر رد :ندى الأيام)       :: احدث العاب المغامرات للاندرويد Cut the Rope Time Travel HD v1.3.1 (آخر رد :karimoux)      


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-30-2010, 21:40   #1
*حمامة السلام*
الصورة الرمزية *حمامة السلام*
 
الملف الشخصي:

تقييم العضو:
تقييم المستوى : 13158

*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute

oo5o.com (2 التناص الصوفي في شعر البياتي


التناص الصوفي في شعر البياتي

أحمد طعمة حلبي

توجه الشعر العربي المعاصر إلى التصوف، هرباً من واقع مادي واجتماعي وسياسي مأزوم، وبحثاً عن عالم أكثر روحانية وشفافية وصفاءً، تنحسر فيه قوة المادة أو تذوب. والتصوف عنصر مهم من عناصر التجربة الشعرية المعاصرة، وذلك لارتباط التجربة الشعرية المعاصرة بالتجربة الصوفية، إذ أن هنالك علائق وشيجة، بين كلتا التجربتين الإبداعيتين، الصوفية والمعاصرة، حيث شكلت التجربة المعاصرة مجالاً ملائماً لمواقف الرفض والتضحية، كما فعلت التجربة الصوفية من قبل، كما أن التجربة الصوفية إنسانية عامة تهدف إلى تجاوز الأشياء الخارجية، للوصول إلى جوهر الأشياء، أي إلى الحقيقة، وهو الهدف نفسه الذي تسعى إليه التجربة الشعرية المعاصرة. وقد أكد صلاح عبد الصبور أن كلتا التجربتين، الصوفية والمعاصرة، تبحثان عن غاية واحدة، وهي العودة بالكون إلى صفائه وانسجامه(1).‏
ولعل الشاعر المعاصر قد وجد في محنة الشاعر الصوفي قبله ـ في معاناته واضطرابه ومكابدته، وبحثه الدائب عن الحقيقة، وتأمله واغترابه ووحدته، وانتظاره للحظة الإلهام أو الكشف ـ شيئاً من محنته هو، في معاناته ومكابدته واغترابه وتأمله..، في هذا الواقع. وتتجلى مظاهر التصوف في الشعر العربي المعاصر في عدة نقاط، أبرزها(2): ((1ـ الحزن العام. 2ـ الإحساس بالغربة والضياع والنفي والحاجة إلى العكوف على النفس. 3ـ ارتياح الشاعر لعالم الأرواح. 4ـ اتحاد الصوفي والشهيد والشاعر. 5ـ الحلولية الكونية أو معانقة الشاعر للكون. 6ـ الظمأ النفسي لمعانقة الذي يأتي ولا يأتي. 7ـ المزج المحسوس والمتخيّل…)).‏
ولقد قرأ البياتي منذ يفاعته الشعرية أشعار كبار الصوفية، بحيث شكلت تلك الأشعار المصدر الأول في تكوينه الثقافي، وقد اعترف البياتي بذلك. إذ يقول: ((ومن الشعراء الذين قرأتهم باهتمام بالغ: الجامي، وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، والخيّام، وطاغور. لقد عانى هؤلاء محنة استبطان العالم، ومحاولة الكشف عن حقائقه الكلية، من خلال تجربة التصوف الممتزجة بالرؤية الشعرية النافذة))(3). وإذن فقد ولج البياتي عالم التصوف، فتعمق في لغة القوم ومصطلحاتهم، واطلع على كثير من تجاربهم الشعرية، فتأثر بالفكر الحلولي عند أصحاب وحدة الوجود، كابن عربي، والحلاج، وغيرهما، وقد انعكس ذلك في قصائد كثيرة له فقد اتكأ على اللغة الصوفية من خلال استخدام مفردات أو تعابير أو عبارات صوفية، أو من خلال لغة الإيحاء والإشعاع والرمز، التي تميز بها الصوفية. كما استحضر بعض الشخصيات الصوفية، معبراً من خلالها عن بعض جوانب تجربته هو.‏
ولقد أدرك البياتي عمق الصلة التي تربط تجربته الشعرية الخاصة بالتجربة الصوفية، مما دعاه إلى تمثّل بعض النماذج من تلك التجربة، وتجلّى ذلك من خلال اقتباس بعض عبارات ابن عربي، والحلاج وغيرهما، يقول البياتي في قصيدته (عين الشمس أو تحولات محيي الدين بن عربي)(4):‏

فكل اسم شارد، ووارد أذكره، عنها أكنّي، واسمَها أعني‏
وكل دار في الضحى أندبها، فدارها أعني‏
توحد الواحد في الكل‏
والظل في الظل.

يتحقق التناص في المقطع السابق، من خلال توظيف عبارة محيي الدين بن عربي: ((فكل اسم أذكره، في هذا الجزء، فعنها أكنّي، وكل دار أندبها، فدارها أعني))(5). ويلحظ المتلقي شدة التقارب والتشابه بين النصين: نص البياتي الشعري، ونص ابن عربي النثري، ولا عجب في ذلك، فالبياتي في تلك القصيدة، يتقنّع بقناع ابن عربي، وهو هنا يورد الكلام على لسان ابن عربي نفسه، من خلال حديثه عن محبوبته (عين الشمس).‏
ويعمد البياتي في نص شعري آخر له إلى امتصاص بعض أبيات مثنوي جلال الدين الرومي، التي تتحدث عن الناي وما يرمز إليه من دلالات وإشارات، حيث يثير هذا الناي، عند الصوفية، مشاعر الحب والعشق، ويزيد من اشتعال نار الحب ولواعجه، يقول البياتي في قصيدته (مرثية إلى ناظم حكمت)(6):‏
((اصغ إلى الناي يئن راوياً…))‏
قال جلال الدينْ‏
النار في الناي‏
وفي لواعج المحبِّ والحزينْ‏
الناي يحكي عن طريق طافحٍ بالدمِ‏
يحكي مثلما السنين‏
(شيرينُ)) يا حبيبتي‏
(شيرينُ))‏
دار الزمانُ‏
احترقتْ فراشتي..‏
تغضَّن الجبين‏
وانطفأ المصباح، لكني مع السارين‏
مع المحبين، مع الباكين‏
أحمل أكفاني.‏

يستحضر البياتي في المقطع الشعري السابق ثلاثة أبيات لجلال الدين الرومي، وذلك بعد أن امتصها، وأعاد صياغتها من جديد، يقول جلال الدين(7):‏
استمع للناي كيف يقص حكايته،
إنه يشكو آلام الفراق.‏
إن صوت الناي هذا نارٌ لا هواء،
فلا كان من لم تضطرم في قلبه مثل هذه النار.‏
إن الناي يروي لنا حديث الطريق،
الذي ملأته الدماء،
ويقص علينا قصص عشق المجنون)).

ويلحظ المتلقي أن التجربة الصوفية القديمة قد تحولت عن مسارها الأول، بعد أن دخلت تجربة البياتي، فقد تغيّرت رموزها ومعانيها، واكتسبت معاني ودلالات جديدة. تتفق وطبيعة التجربة الخاصة للبياتي. فهذا الناي الذي يحكي لواعج الحب، والعشق، واضطرام نار الحب في قلب المحبين، والذي يحكي قصص المئات الذين قضوا في سبيل الحب، هذا الناي يثير في البياتي الحنين، إلى رمز من رموز الثورة والرفض، هو رفيق دربه في النضال ناظم حكمت، كما إن الناي هنا ((رمز للروح المحترق، على طريق الكفاح))(8). فقد احترقت فراشة البياتي، مما يعني ذوبان البشارة بالثورة واختفاءها إلى الأبد، لذا فليرحل البياتي مع الراحلين، حاملاً كفنه وجسده.‏
ويستدعي البياتي تجربة واحد من أبرز الشخصيات الصوفية المعروفة في تاريخ التصوف العربي الإسلامي، وهي شخصية الحلاج. ولعل البياتي قد وجد في تلك الشخصية الثائرة شيئاً من نفسه هو، فكلا الشاعرين الحلاج والبياتي ثائر، الحلاج ثائر في وجه السلطة التي اتهمته بالزندقة، والبياتي ثائر في وجه السلطة الجائرة التي طاردته، وأخرجته من وطنه، وكلا الشاعرين عانى آلام الغربة والنفي والمطاردة، وكلاهما وقف مدافعاً عن حرية الكلمة وقداستها، ولعل المشهد الآتي، الذي يصوّر أحداث محاكمة الحلاج، والذي يستحضره البياتي مقتبساً فيه بعض كلام الحلاج نفسه، يؤكد دفاع الحلاج/ البياتي المستميت، عن المبادئ والقيم، وعن الكلمة التي بدأت تفقد قيمتها في هذا العصر، يقول البياتي في قصيدته (عذاب الحلاج ـ المحاكمة) على لسان الحلاج(9):‏
بُحتُ بكلمتين للسلطانْ‏
قلت له: جبان‏
قلت لكلب الصيد كلمتينْ‏
ونمت ليلتين‏
حلمتُ فيهما بأني لم أعد لفظين‏
توحدتْ‏
تعانقت‏
وباركتْ أنتَ أنا‏
تعاستي‏
ووحشتي.‏

وواضح أن للبياتي عالمه الصوفي المبتكر لا المتكرر، حيث يستدعي في مقطعه الشعري السابق قول الحلاج(10):‏
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا * * * * * نحن روحان حللنا بدنا
وقوله(11):‏
عجبت منكَ ومني * * * * * يا منية المتمني‏
أدنيتَني منك حتى * * * * * ظننتُ أنك أني

فالبياتي هنا يصوغ أقوال الحلاج صياغة معاصرة، تستفيد من المفردات الصوفية، دون أن تنسخها نسخاً: توحدت/ تعانقت/ وباركت أنتَ أنا.‏
ويستلهم البياتي تجربة الصوفي الإشراقي السّهروردي، محاولاً تقديم صور، أو مشاهد من حياته الحافلة بالمعاناة، معاناة البحث الدائب عن الحقيقة، وانتظار الكشف الإلهي. ولعل البياتي أراد، من خلال حديثه عن السهروردي، تقديم مشهد من مشاهد معاناته هو، إذ يسيطر عليه الشعور بالعجز، العجز عن الخروج من ربقة الجسد، والوصول إلى عالم الكشف الإلهي، حتى يتخطى حدود هذا العالم الضيق، يقول البياتي في قصيدته (صورة للسهروردي في شبابه)(12):‏
يا من أوقفني ما بين الجسد المشدود كقوس والمطلقْ‏
يا من أوقعني في هذا المأزق‏
حطّم هذا الزورق‏
بصخور شواطئ يم الليل الأزرق,‏

وربما قصد البياتي من وراء تلك المناجاة البحث عن الخلاص من هذا العالم، الذي تُنتهك فيه الحريّات، وتصفّد فيه العقول والأفكار، وتصادر فيه كلمة الحق. وخير دليل على ذلك: القمعُ، والظلمُ الأبديان، اللذان يمارسان ضد كل من يحاول التفكير، أو يدعو إليه: أرسطو، وأفلاطون، والمتنبي..، يقول البياتي في القصيدة السابقة(13):‏
أوقفني في باب الممنوعات‏
((منها)) قال: ((الكلمات))‏
((فتعقلْ في هذا الباب)) وغاب.‏
ممنوع: أفلاطون‏
وأرسطو والمتنبي وجلال الدين‏
في هذا الجحر الملعون.

وتزخر مجموعات البياتي الشعرية بالكثير من المفردات الصوفية، كالخمر، والساقي، والثمل، والسكر، والغزالة، والخرقة.. التي تغلغلت في أعماق لغته الشعرية الخاصة، لتشكل معها مزيجاً من تجربته هو، وتجربة أولئك الصوفية، ولتعبر عن جوانب مختلفة من تجربته الشعرية، ففي قصيدته (عين الشمس) يقول البياتي/ ابن عربي(14):‏
كلمني السيد والعاشق والمملوك‏
والبرق والسحابة‏
والقطب والمريد‏
وصاحب الجلالة‏
أهدى إليّ بعد أن كاشفني غزالَه.

إن الغزالة في الاصطلاح الصوفي كناية عن الوصول إلى الحقيقة، أو الكشف الإلهي، أو هي: ((صورة من صور تجلي المحبوب))(15). وتتخذ دلالة الغزالة لدى البياتي، مساراً آخر، إذ يرمز بها إلى المحبوبة الغائبة عائشة/ عشتار، أو إلى لحظة تحقق الثورة/ الحرية.‏
وفي قصيدته (رسائل إلى الإمام الشافعي) يمتاح البياتي الكثير من المعاني والرموز والاصطلاحات الصوفية، ليصور من خلالها معاناته هو في البحث عن محبوبته، وانتظاره لحظة الإشراق أو التجلي، التي تتحقق فيها آماله، وتظهر فيها محبوبته عائشة/ الثورة. لكنّ هذا الترقّب لا يؤدي في النهاية إلى شيء، إذ تتوارى المحبوبة، وتحتجب عنه، مما يعني استمرارية المعاناة، وتواصل الألم الممزوج باليأس، من قدوم الذي يأتي ولا يأتي، يقول البياتي(16):‏


صرخت في منازل مقفرةٍ، دارت بها الرياح‏
أكلت برتقالة الشمس، وفي دمي توضأتُ، وصلّيت إلى الصحراء‏
عمودُ نور لاح لي، وواحة خضراء‏
يرتع في قيعانها سِرب من الظباء‏
وعندما فوّقت سَهمي كي أصيبَ مقتلاً منها، ومن بقية الأشباح‏
توارت الواحة والظباء في السراب‏
وارتفع النور إلى السماء‏
واكتنفتني ظلمةٌ، وصاح بي صوت من القيعان‏ أتيتَ قبل موعد الوليمة‏
تنتظر الموت لكي تموت.‏

وتتبدى فاعلية التناص في المقطع الشعري السابق، من خلال استحضار مصطلح (النور) من المعجم الصوفي، الذي يعني عند الصوفية: ((كل وارد إلهي يَطردُ الكون عن القلب))(17)، وبحيث يكون قلب الإنسان في حالة شهود دائم، أو أن تكون الحقيقة في حالة تجلٍ دائم ونجد مفردات: الواحة الخضراء، الظباء، مقتل، سهم، أشباح.. وهي كلها مفردات من المعجم الصوفي. ويشير قول البياتي:‏
توارت الواحة والظباء في السراب‏ وارتفع النور إلى السماء‏
واكتنفتني ظلمة وصاح بي صوت من القيعان‏
أتيت قبل موعد الوليمة.

إلى حالة الحجب التي تعني عند الصوفية: ((كل ما ستر المطلوب عن العين))(18)، أو: ((انطباع الصور الكونية في القلب، المانعةِ لقبول تجلي الحقائق))(19). فالبياتي قد حُكم عليه بألا يرى محبوبته نهائياً، ولذا بات ينتظر الموت المحقق.
وتغصّ قصيدة البياتي (مقاطع من عذابات فريد الدين العطار) بالمصطلحات والمفردات الصوفية، التي تعبّر عن حالة الاتحاد بالمطلق، التي يصل إليها الصوفي بعد المجاهدة والمكابدة، يقول البياتي(20):‏
بادرني بالسكر وقال: أنا الخمر وأنت الساقي،
فلتصبح يا‏أنتَ أنا محبوبي،
يرهن خرقته للخمر،
ويبكي مجنوناً‏بالعشق،
عراه غبارٌ،
قلبي من فرط الأسفار إليك ومنك،‏
فناولني الخمر،
ووسَّدني تحت الكرمة مجنوناً ولتبحثَ عن‏
ياقوت فمي،
تحت الأفلاك السبعة،
ولتُشعِل بالقبلات‏ الظمأى،
في لحم الأرض حريقاً.
مرآة لي كنتَ فصرتُ أنا‏
المرآة،
أعرِّيك أمامي وأرى عُريي.
أبحث في سكري عنك‏ وفي صحوي،
ما دامت أقداح الساقي تتحدث دون لسانْ.

وواضح أن المقطع الشعري السابق يعبر عن تجربة صوفية خالصة، إذ تزدحم فيها المفردات الصوفية: السكر، الخمر، الساقي، الخرقة، العشق، فرط، تشعل، الصحو، أقداح.. ويمثل المقطع السابق مقدمة، يحاول البياتي من خلالها إعطاء صورة لحالات القلق، والوجد، والهيام التي مرَّ بها فريد الدين العطار ومن بعده البياتي، غير أن ما يريد البياتي أن يعبر عنه، من خلال استحضار تجربة العطار الصوفية، يكمن في المقاطع التي تلي ذلك المقطع، يقول البياتي في القصيدة السابقة(21):‏
أقول: سيأتي عصر أو زمن يصبح فيه الإنسان‏
سديماً لأخيه الإنسانْ‏
أقول: سيأتي لكن الريح‏
وراء الأبواب تراقص أجساد الأشجار العارية الصفراء‏
وتلقي بمصابيح الشعراء‏
في قاع الآبار.‏

البياتي يطمح، بل ينشد عالماً آخر مغايراً تماماً لهذا العالم الفاسد، هو يريد عالماً يصبح فيه الإنسان سديماً لأخيه الإنسان، عالماً يشعر فيه الإنسان بذاته، بإنسانيته. ويلحظ المتلقي أن البياتي سرعان ما ينكفئ، لأنه يدرك أن حلمه بذلك العالم لا يلبث أن يذهب أدراج الرياح، وسرعان ما تذوب أحلامه الذهبية. لكنّ البياتي، الذي ظل يناضل في سبيل حرية الإنسان وكرامته، لا يفقد الأمل، بعد كل هذا اليأس، ويبقى مصراً على متابعة الطرق الذي بدأ، حتى تتحقق آماله في انتصارالإنسان، يقول البياتي في قصيدته السابقة(22):‏
لن أهزم حتى آخرِ بيت أكتبه،
فلنشرب في قبة هذا الليل الزرقاء‏
حتى يدركنا الليل الأبدي ونغفو في بطن الغبراء.‏

ويحاول البياتي إخضاع تجربة جلال الدين الرومي الصوفية لتجربته هو، إذ تغدو عائشة البياتي/ رمز الحب الأبدي عنده محبوبةَ جلال الدين الأثيرة، التي تأخذ عليه لبه وعقله، وتجعله في حالة من الوجد، والعشق، يغيب بسببها عن الوجود، مما يثير شفقة عائشة عليه، فتطلب له الخلاص من هذا الحب،يقول البياتي في قصيدته (قراءة في ديوان شمس تبريز)(23):
قالت عائشة للناي الباكي:
مَنْ يقتل هذا الشاعر أو يعتقه‏
من نار الحب الأبدية.
هاهو ذا أوغل في السكر‏وأصبح بي مجنوناً،
وأنا أصبحت به… أيضاً.‏
وكلانا مجنون سكرانْ‏
يبحث عن وجه الآخر في الحان.‏

ويلحظ المتلقي غلبة المفردات الصوفية: الناي، نار، الحب، السكر، مجنون،ألحان.‏
ولعل ما ذهبنا إليه من أن حالة الكشف عند الصوفي/ البياتي مرتبطة بتجلي المحبوب/ عائشة/ عشتار، يظهر أكثر ما يظهر في قصيدته (قصائد حب إلى عشتار)، حيث تتجلى عشتار على البياتي مَلاكاً، يحمل تباشير الخير والخصب والوصال (في الاصطلاح الصوفي)، ويركن الصوفي/ البياتي إلى السكينة والطمأنينة، بعد حالة الكشف تلك، فيذوق خمرة المحبوب، وتتحقق له رؤية الذات العلية في اليقظة والمنام، ويصل إلى حالة الشهود الحقّة، وذلك كله كان لن يتحقق ما لم تظهر عشتار، بعد طول غياب، يقول البياتي في تلك القصيدة(24):‏
من تُرى ذاق،
فجاعت روحه حلوَ النبيذ
وروابي القارة الخضراء
والمطاطَ والعاجَ
طعمَ الزنجبيل‏
وعبيرَ الورد في نار الأصيل
ورأى الله بعينه،
ولم يملك على الرؤيا دليل‏
فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك‏
ذقت لمّا هبطت عشتار في الأرض ملاك.

ولعلنا من كل ما سبق نستنتج ما يلي:‏
1ـ ينحصر التصوف الذي يتمثّله البياتي في قصائده، بالتصوف الإسلامي، ولا وجود للتصوف البوذي أو المسيحي أو غيرهما لديه.‏
2ـ يتخذ البياتي في استحضاره للشعر الصوفي أو الشخصيات الصوفية إحدى طريقتين:‏
أ- استحضار شخصيات صوفية من خلال الحديث عنها، أو التحدث إليها، أو عن طريق القناع.‏
ب- استحضار نصوص صوفية نثرية أو شعرية، سواء عن طريق الاقتباس أم الامتصاص.‏
3ـ لعل أكثر المواضيع ظهوراً من خلال استحضار البياتي للشخصيات الصوفية أو مأثوراتها، موضوعا المعاناة والألم، الناشئان عن حالة الترقب وانتظار الذي يأتي ولا يأتي، والبياتي ذو النزعة الماركسية لا يترقب الكشف بالمعنى الصوفي لـه، وإنما يترقب عشتار/ ا لثورة/ الخصب.‏
لقد استطاع البياتي أن يستوعب ملامح التجربة الصوفية ودلالتها، وأن يستخلص السمات الدالة والفاعلة في هذه التجربة، وأن يتمثلها جيداً في شعره، محملاً إياها بعض جوانب تجربته الشعرية الخاصة، كما كان تصوف البياتي انعكاساً لاستمرارية الغربة والنفي، وانكفاءً إلى الذات، التي طالما انتظرت الخلاص من هذا الواقع، وبحثت عن عالم الضياء، الذي تتحقق فيه كرامة الإنسان وحريته، وتسود فيه العدالة. وقد استطاع البياتي من خلال قصائده الصوفية المكتنزة بالدلالات الروحية أن يتحرر من ربقة الجسد، ليصل إلى عالم المطلق، وأن يتجاوز المرئي إلى اللامرئي، وأن يتحرر من قيد الذات، ليصِلَ همَّه بهموم الآخرين.‏
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي‏ :
(1) عبد الصبور، صلاح (حياتي في الشعر) دار العودة، بيروت، ط1، 1969، ص119.‏
(2) يردّ إحسان عباس تلك المظاهر، إلى اثنتي عشرة، وقد حاولنا ذكر أبرزها. ينظر: عباس. إحسان (اتجاهات الشعر العربي المعاصر) دار الشروق، عمّان، ط2، 1992، ص 159 ـ 160.‏
(3) البياتي، (تجربتي الشعرية) ص19.‏
(4) الديوان 2/ 238.‏
(5) ابن عربي. محيي الدين (ترجمان الأشواق) دار صادر، بيروت، ط1، 1966، ص 9 المقدمة.‏
(6) الديوان 1/ 485.‏
(7) الرومي. جلال الدين (المثنوي) ترجمة وشرح ودراسة: محمد عبد السلام كفافي، المكتبة العصرية، صيدا ـ بيروت. ط1، 1، 1966/ 73 ـ 74.‏
(8) إسماعيل. عز الدين (الشعر العربي المعاصر) ص 221.‏
(9) الديوان 2/ 15.‏
(10) الحلاج. الحسين بن منصور (الديوان) صنعه وأصلحه أبو طريف الشيبي. كامل بن مصطفى بن محمد حسين الكاظمي المكي العبدري، منشورات الجمل، ألمانيا، ط1، 1997، ص 62.‏
(11) المصدر السابق، ص63.‏
(12) الديوان 2/ 427.‏
(13) الديوان 2/ 239.‏
(14) الديوان 2/ 239.‏
(15) صبحي. محيي الدين (الرؤيا في شعر البياتي) ص 370.‏
(16) الديوان 2/ 254.‏
(17) ابن عربي. محيي الدين (اصطلاح الصوفية) ضمن كتاب (رسائل ابن عربي)، دار إحياء التراث العربي، بيروت (نسخة مصورة عن نسخة حيدر أباد الدكن 1948) د. تا ص 14.‏
(18) المصدر السابق، ص 13.‏
(19) الكاشاني، عبد الرزاق (معجم اصطلاحات الصوفية) تحقيق وتقديم وتعليق: عبد العال شاهين، دار المنار، القاهرة، ط1، 1992، ص 81.‏
(20) الديوان 2/ 413.‏
(21) الديوان 2/ 414.‏
(22) الديوان 2/ 415.‏
(23) الديوان 2/ 451.‏
(24) الديوان 2/ 208.‏

المصادر والمراجع‏:-
ـ إسماعيل. عز الدين (الشعر العربي المعاصر) دار الثقافة، بيروت، بلا تاريخ.‏
ـ البياتي. عبد الوهاب (تجربتي الشعرية) منشورات نزار قباني، بيروت، 1968.‏
ـ الحلاج. الحسين بن منصور (الديوان) تح. أبو طريف الشيبي كامل بن مصطفى الكاظمي العبدري، منشورات الجمل، ألمانية، 1997.‏ ـ الرومي. جلال الدين (المثنوي) ترجمة وشرح ودراسة: محمد عبد السلام كفافي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1966.‏
ـ صبحي. محيي الدين (الرؤيا في شعر البياتي) اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1986.‏
ـ عباس. إحسان (اتجاهات الشعر العربي المعاصر) دار الشروق، عمّان، ط. ثانية، 1992.‏
ـ عبد الصبور. صلاح (حياتي في الشعر) دار العودة، بيروت، 1969.‏
ـ ابن عربي. محيي الدين (ترجمان الأشواق) دار صادر، بيروت، 1966.‏
-(الرسائل) دار إحياء التراث العربي، بيروت نسخة مصورة عن طبعة حيدر آباد الدكن 1948).‏
ـ الكاشاني. عبد الرزاق (معجم اصطلاحات الصوفية) تحقيق وتقديم وتعليق: عبد العال شاهين، دار المنار، القاهرة، 1992.‏

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك


reputation
التوقيع:
والقدر يعيدني الى رابط الصداقة والعلم والمعرفة
*حمامة السلام* غير متصل  

التعديل الأخير تم بواسطة *حمامة السلام* ; 11-30-2010 الساعة 21:52.

رد مع اقتباس
قديم 11-30-2010, 21:59   #2
IL99
الصورة الرمزية IL99
 
الملف الشخصي:

تقييم العضو:
تقييم المستوى : 10

IL99 is on a distinguished road

افتراضي


شكرا على الموضوع الا انني لا افهم في الشعر
بارك الله فيك
التوقيع:
IL99 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-30-2010, 22:07   #3
نبع الحياة
الصورة الرمزية نبع الحياة
 
الملف الشخصي:

تقييم العضو:
تقييم المستوى : 457

نبع الحياة is a glorious beacon of lightنبع الحياة is a glorious beacon of lightنبع الحياة is a glorious beacon of lightنبع الحياة is a glorious beacon of lightنبع الحياة is a glorious beacon of light

افتراضي


اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة il99 مشاهدة المشاركة
شكرا على الموضوع الا انني لا افهم في الشعر
بارك الله فيك
il99لا بأس أخي سأحاول التبيسط بعض الشيء
التناص هو
كل التداخلات والتعالقات النصية بين النصوص الأدبية ، كان تتمثل أشكالا من التناص تنبه إليها القدماء ، لكن مصطلح التناص لم يظهر إلا في ستينية القرن العشرين مع الباحثة البلغارية جوليا كريستيفا قبل أن ينتقل إلى الحقل العربي
التوقيع:


اللهم جملني في عين زوجي الذي اخَترته لي وقربني الى قلبه
وسخره لي وارزقني خيره وارزقني الذرية الصالحة

اللهم احفظ زوجي واجعلني ماءه ودم قلبه ودفء حياته
اللهم أسعدنا ولاتشقنا يا أرحم الراحمين
نبع الحياة غير متصل  

التعديل الأخير تم بواسطة *حمامة السلام* ; 11-30-2010 الساعة 22:43.

رد مع اقتباس
قديم 11-30-2010, 22:15   #4
hakimnexen
 
الملف الشخصي:

تقييم العضو:
تقييم المستوى : 98

hakimnexen will become famous soon enough

افتراضي


التناص Intrtextuality مصطلح نقدي جديد وفد إلينا مؤخراً من الدراسات النقدية الأجنبية وأخذ مكانته في الساحة النقدية العربية المعاصرة، وهو يعني، فيما يعني، حدوث علاقات تفاعلية أو وشائج بين نص وآخر، أو بين نص ونصوص أخرى، وقد تعددت التيارات والمذاهب النقدية التي تبنته، كما تعددت تعريفاته ومعانيه وأشكاله وآلياته من ناقد لآخر، ومن مذهب نقدي لآخر.
أشكال التناص الشعري في شعر البياتي يمكن أن تصنف ضمن خمسة أنواع هي:

1ـ التناص الاقتباسي.

2ـ التناص الإشاري.

3ـ التناص الامتصاصي

4ـ التناص الأسلوبي.

5ـ تناص الشخصيات / قناع.
ويمكن أن نرد التناص الاقتباسي في شعره إلى ثلاثة أشكال:

أـ التناص الاقتباسي الكامل المنصص.

ب ـ التناص الاقتباسي الكامل المحوَّر.

جـ ـ التناص الاقتباسي الجزئي.

أ ـ التناص الاقتباسي الكامل المنصص:
وأجلى نص شعري يتحقق فيه هذا النوع من التناص الاقتباسي نجده في قصيدة البياتي (كلمات إلى الحجر)، ففي المقطع الثالث منها المعنون بـ (قال طرفة بن العبد) يقتبس البياتي أربعة أبيات من معلقة طرفة بن العبد، متفرقة الترتيب، من دون أن يحدث فيها أي تغيير أو تحوير، أو حذف أو إضافة. يقول البياتي(2):

((وما زال تشرابي الخمورَ ولذتي

وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي

إلى أن تحامتني العشيرة كلها

وأفردتُ إفرادَ البعير المعبّد

فإن كنتَ لا تسطيعُ دفع منيتي

فدعني أبادرها بما ملكت يدي
وكذالك ستلهم معاني القرآن الكريم، كما ورد في قصيدته ''الموت في الحب'' حيث يقول:

أيتها العذراء

هزّي بجذع النخلة الفرعاء

تسّاقطُ الأشياء

تنفجر الشموس والأقمار

يكتسح الطوفان هذا العار

نولد في مدريد

تحت سماء عالم جديد

ويقول: لقد استحضر البياتي في المقطع السابق الآية الكريمة: ''وهزي إليك بجذع النخلة، تساقط عليك رطباً جنياً''، مستغلاً مغزاها الذي يوحي بحدوث المعجزات وخوارق العادات، وهو ما يصبو إليه البياتي
كما توقف المؤلف عند ولوج البياتي في عالم التصوف الإسلامي واقتباسه بعض عبارات محي الدين بن عربي والحلاج وجلال الدين الرومي والسهروردي، وفصل بإسهاب أشكال التناص في شعر البياتي، وقال إن ''كماً غير قليل من هذا الشعر مقتبس من نتاجات سابقة، وليس ذلك بمعيب، ما دام الهدف ليس سرقة نتاجات الآخرين، بل محاورتها والاستفادة منها'
'.

[SIZE="7"]وكم وددت ان نزيف القلب تدلو بدلوها[/SIZE]
hakimnexen غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-30-2010, 22:49   #5
*حمامة السلام*
الصورة الرمزية *حمامة السلام*
 
الملف الشخصي:

تقييم العضو:
تقييم المستوى : 13158

*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute

افتراضي


شكراً لكم جميعاً أخواني

هكذا نستفيد جميعاً ونتعرف على البياتي

وهذا خارج عن الموضوع

من صحيفة النهضة


إليك أوجِّه الكلام أيها الشاعر العملاق
(ويحي علي العراقْ
تحت سماء صيفه الحمراءْ
من قبل ألف سنةٍ
يرتفع البكاءْ
حزنا علي شهيد كربلاءْ
ولم يزل علي الفرات دمه المراقْ
يصبغ وجه الماء والنخيل في المساءْ) ..
هذا ما قلته أيها الشاعر العملاق يا عبد الوهاب البياتي قبل أكثر من ربع قرن من الزمان ، وكل عراقي يقول اليوم معك : ويحي علي العراق ، نعم ويحي وويحك وويحنا جميعا علي هذا البلد الذي تعصف به الريح من كل جانب ، وتأخذه الدماء المراقة بلا ذنب إلي بحار الرعب والفزع ، هذا البلد الذي نحبه أكثر من أنفسنا ومن أولادنا ، ونحن مستعدون لبيع ساعات أيدينا من أجل أن يعود له الأمان والأمل والحرية .
وماذا بعد ؟
في (عصر شهود الزور) أردت يا عبد الوهاب البياتي أن (تبني وطنا للشعر) وأردت أن (تصير الكلمات طوق نجاة) في ذلك الوطن، وأنت تعلم (أن ما يبقي يهدمه أو يبنيه الشعراء)! ، وتعلم أيضا أشياء أخري:
(واحدة بعد الأخري
ترتفع الأيدي في وجه الطغيانْ
لكنَّ سيوف السلطانْ
تقطعها واحدة بعد الأخري
في كل مكانْ)
نعم تقطعها ، لكن الأيادي ما برحت تمتد هنا وهناك في وجه طغيان السلطان، من أجل أن ينكسر سيف الظالم وتنتصر أيدي المظلومين.
وبعد، وبعد ..
في تلك الأصقاع المحاطة بالسحر الأسود ، حيث الأبراج الوثنية المحروقة والأسوار المهدَّمة ، رأيتك ، كنت منشغلا بصيحاتك التي لا أحد يعرف من يسمعها ، ومهموما بأسئلتك التي تبحث عن إجابات قاطعة :
( لماذا ترك الشعراء خنادقهم ؟
ولماذا سيف الدولة ولّي الأدبار ؟ ) ،
وحين لم تجد جوابا ، صرخت :
( فليسقط شعراء ملوك العصر الحجري الببغاواتْ
وليسقط شعراء الجنرالاتْ ) ،
ولم تُعر اهتماما للممنوعات التي تسمعها وتراها هنا أو هناك :
( لا تقترب .. ممنوعْ
فهذه الأرض إذا أحببت فيها
حكم القانونْ
عليك بالجنونْ ) ،
فقلت باطمئنان :
( سيبقي صوتي
قنديلا في باب الله ) ،
معلنا أن آلهة الشعر الصافي منحتك في درب العودة ( البركات وسلاح الكلمات ) التي أنت أحوج ما تكون إليها .. قلتُ : رأيتك ، كنت ( وحيدا مثل قطرة المطر ) ، ( محموما تبكي تحت الأمطار ) ، بعد أن انطفأت الأضواء وارتحل العشاق وتساقطت أوراق الأشجار في ( غابات البحر الأسود ) ، مرة تصرخ : ( لارا ) ، فلا تجيبك سوي الريح المذعورة ، ومرة تصرخ : ( عائشة ) ، فلا من مجيب .. حاولت أن تفعل شيئا من أجل أن يتغير ما هو كائن ، لكنك وجـــدت أن ( الشعب المأخوذ العاري من حد الماء إلي حد الماء يموت ببطء تحت سياط الإرهاب وحيدا ، معزولا ، منبوذا ، محروقا تحت الأقفاص ) ،وحاولت أن تترك خلفك ما يُعين علي تحمُّل بعض ما تنثره الحياة حولنا من أحزان وآلام ، ولكنك لم تترك سوي ( ما تتركه الثورات المغدورة من نار وبذور في رحم الأرض المحروث ) ، كنت تردد ( كم هو شرير أن يسكنك الشعر ) ، وتعلن دون وجل ( ها أنذا أجثو تحت سماء الوطن العربي المنهوب ) واليوم لم يتغير شيء بل أصبحت الأمور علي درجة أعلي من السوء .

الحب أبدا تحت المطر
اليوم يلتف حول قبرك يا عبدالوهاب البياتي : المتنبي والسهروردي وعمر الخيام والحلاج وأفلاطون وأرسطو وأبو العلاء المعري وسلفادور دالي ومحيي الدين بن عربي ، غير مصدقين أنك مت وأن لك قبرا ، فالشعراء الكبار لا يموتون ، وليست لهم قبور ، إنهم خالدون ، والموت ليس سوي ( منفي ) من المنافي ، أفلست القائل : ( ضيَّعت حياتي ما بين المنفي والمنفي ) ، فإذا كانت الحياة منفي ، فمن المعقول جدا أن يكون الموت وجها من وجوه ذلك المنفي ..
الحب والمطر ، الحب تحت المطر ، المطر والسفر :
( من بلد لبلد مهاجرْ
علي جناح طائرْ ) ،
السفر والفراق ، الفراق والمنفي ، المنفي .. والسنون تمضي واحدة بعد الأخري والمحطات تمضي واحدة بعد الأخري أيضا :
( أفهكذا تمضي السنونُ
ونحن من منفي إلي منفي
ومن باب لبابْ
نذوي كما تذوي الزنابق في الترابْ
فقراء يا قمري نموتْ
وقطارنا أبدا يفوتْ ) ،
ولكنك بالرغم من كل ذلك لا تحزن، وترجو من حبيبتك أيضا أن لا تحزن ، وأنت تمضي عنها بعيدا في أنوار الأسفار ودياجيرها :
( لا تحزني
سأشتري غدا لك القمرْ
ونجمة الضحي
وبستانا من الزهرْ
غدا إذا عدتُ من السفرْ
غدا إذا أورق في ضلوعي الحجر ) ...
الحب عندك يا عبد الوهاب البياتي ( وجود أعمي ) ، و( الكل وحيد ) ، والنساء ( تري كل نساء العالم في واحدة .. تولد من شِعرك ) ، واحدة وجنتها مشرَّبة بالتوت الأحمر والورد الجبلي الأبيض ، قلت لها :
( قنديلا ذهب عيناكِ
ويداكِ شراعانْ )
مذكِّرا الجميع بما قاله السياب :
( عيناكِ غابتا نخيل ساعة السحرْ
أو شرفتان راح ينأي عنهما القمرْ ) ..
القمر في شيراز ، والضوء في غرناطة ، والقلب في بغداد ، وأنت تُشعل الكلمات وتنثرها شموعا في كل مكان .. تقول لجرحك ( لا تبرأ ) ، ولحزنك ( لا تبرد ) ، وتقول للعشاق ( اغتسلوا بدمي ) .. وها هي ( عائشة ) تقترب منك يا عبد الوهاب البياتي ، عائشة التي كانت الحبيبة والملهمة والأمل ، لتقول لك :
( قالت : المغول قادمون
قلتُ : نعم
فقد رأيتُهم قبل سنوات بعيدة
وها أنا
أراهم الآن
يقتحمن أسوار بغداد من جديد ) .

البياتي : العلامات الفارقة
في 3 آب 1999 ، رحل شاعر العراق الكبير عبد الوهاب البياتي ، عندما كان مقيما في دمشق التي استقرَّ فيها في الأشهر الأخيرة من حياته ، ودُفن هناك في ضريح الشيخ محيي الدين بن عربي ، حسب وصيته:
(ها أنا ذا أموتْ
في ظلمة التابوتْ
يأكل لحمي ثعلب المقابرْ
تطعنني الخناجرْ) ..
ويعدُّ عبد الوهاب البياتي من الشعراء العالميين البارزين ، وهو شاعر مجدِّد يقف في طليعة الشعراء العرب الذين جدَّدوا في روح القصيدة العربية وموسيقاها وموضوعاتها ، ومنحوا الشعر العربي آفاقا رحبة جديدة عبر الرموز والأساطير والأقنعة التي استخدموها ، وهو من جانب آخر من رواد الشعر العربي الحديث ، ويصطف اسمه بجدارة إلي جانب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ، في ريادة القصيدة العربية الجديدة ، وقد ارتقت القصيدة العربية علي يديه في المعني والمبني وازدادت ثراءً في الشكل والمضمون والموضوع وتوسَّعت آفاقا وأعماقا .
وقد تُرجمت أشعار البياتي إلي العديد من اللغات العالمية مثل الإنكليزية والفرنسية والروسية والأسبانية وغيرها ، وتناولت عشرات الإطروحات الجامعية عبر العالم شعر البياتي وخصائصه الفنية والموضوعية ، وكان صوته حاضرا في كبريات المهرجانات الشعرية والأدبية والثقافية العالمية شرقا وغربا ، كما صدرت عنه عشرات الكتب النقدية في عواصم العالم المختلفة ، منهــا : ( عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي ) للدكتور إحسان عباس ، و(الرؤيا في شعر البياتي ) للدكتور محيي الدين صبحي ، و( سارق النار ) لمحمد شمسي ، و(عبد الوهاب البياتي في مرآة الشرق ) لزاهر الجيزاني ، وغيرها ، وكُتبت عنه مئات البحوث والدراسات المتخصصة ، وأجريت معه مئات المقابلات الصحفية في مختلف الصحف والمجلات العربية والعالمية ، وكانت تلك الصحف والمجلات تتسابق فيما بينها من أجل إجراء المقابلات معه أو نشر قصائده الجديدة ، وكانت دور النشر في مختلف البلدان ، من جانب آخر ، تتسابق من أجل إصدار مجموعاته الشعرية أو إعادة نشرها في طبعات جديدة ، وكانت للبياتي صلات وثيقة مع العديد من شعراء العالم وأدبائه من أمثال الشاعر التركي ناظم حكمت والشاعر الأسباني رافائيل ألبرتي والشاعر الروسي يفتوشنكو ، إضافة إلي اكتوفيا باث وماركيز ، وغيرهم ، وكانت تلك الصلات نتيجة لإعجاب متبادل بين الطرفين ، ونتوقف هنا عند قولين بحق البياتي قالهما ناظم حكمت ورافائيل ألبرتي ، يقول ناظم حكمت : ( البياتي شاعر أصيل من أولئك الشعراء الحقيقيين الذين كان تجديدهم تلبية لدواعي المحتوي الجديد ، وليس سعيا وراء بدعة أو حذلقة ) ، و يقول رافائيل ألبرتـي : ( قرأت شعر البياتي ، وشعره يعجبني كثيرا ، إنني أعرف البياتي منذ زمن بعيد ، وفي إطار اللقاء العربي ـ الأسباني الذي كان يُعقد في مدينة مونيكر تقاسمت معه جائزة ابن الخطيب للشعر ، وقرأنا أشعارنا ضمن فعاليات الملتقي في منتصف الثمانينيات ) . ولا بد من الإشارة إلي أن البياتي قد اتصل منذ قراءاته الأولي بالتراث العربي شعرا ونثرا ، فقرأ الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي واطلع علي شعر المتصوفة من أمثال ابن الفارض والحلاج والشبلي وابن عربي ، كما اطلع علي كتاب ( الأغاني ) وكتاب ( ألف ليلة وليلة ) و( كليلة ودمنة )، وكان معجبا بأشعار المتنبي والجواهري وأبي شبكة وسعيد عقل ، ثم قرأ شعر العديد من الشعراء العالميين من أمثال باسترناك وأنا أخماتوفا ويسنين وبول ايلوار ولويس أراغون وفلاديمير مايكوفسكي وبابلو نيرودا وفيدريكو غارسيا لوركا وغيرهم ، ونشير هنا إلي أن البياتي قال في كتابه ( تجربتي الشعرية ) وهو يتحدث عن فترة دخوله إلي دار المعلمين العالية وما بعدها : ( إنني لا أذكر كيف ألهبت مشاعري في ذلك الوقت كتابات أودن وأشعاره بغنائيتها الواقعية التي سبقت إليوت إلينا ولم يكن أدباء التعبير عن الأزمة مّنْ عرفناهم وحدهم ، ولكننا عرفنا بيرون وشلي وكيتس وبودلير ورامبو وفكتور هوغو ، وهكذا عرفنا أنواعا متعددة من الإبداع الأدبي الفني ) .
وكان البياتي معجبا بأشعار المتنبي والجواهري وأبي شبكة وسعيد عقل ، ومن الأمور التي من الضروري ذكرها أن البياتي لم ينطو تحت جناح مدرسة شعرية معينة ، وإنما أفاد من جميع المدارس وإنجازاتها ، واستطاع تكوين شخصيته الشعرية المستقلة البعيدة عن التقليد ، وكان في ذلك مثل فراشة تمتص الرحيق من جميع الأزهار دون أن تُجبر نفسها علي الاهتمام بنوع محدَّد من الأزهار ، وقد كان شديد الانتباه إلي الإنجازات التي حققتها القصيدة الأوربية ، خاصة علي الصعيد الفني ، منذ عصر فرلين ورامبو صعودا إلي الشعر المعاصر .

المصدر
التوقيع:
والقدر يعيدني الى رابط الصداقة والعلم والمعرفة
*حمامة السلام* غير متصل  

التعديل الأخير تم بواسطة *حمامة السلام* ; 11-30-2010 الساعة 22:51.

رد مع اقتباس
قديم 12-02-2010, 10:15   #6
*حمامة السلام*
الصورة الرمزية *حمامة السلام*
 
الملف الشخصي:

تقييم العضو:
تقييم المستوى : 13158

*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute*حمامة السلام* has a reputation beyond repute

افتراضي


يكشف عبد الوهاب البياتي في كتابه النثري (تجربتي الشعرية) عن دوافع واضحة ، وهواجس موضوعية تكمن خلف نزوعه ، منذ وقت مبكّر ، إلى كتابة "قصيدة النموذج" ، وهي القصيدة التي برع فيها أكثر من غيره ، سواء من شعراء جيله ، أو الأجيال اللاحقة ، والتي يتخذ فيها من الآخر (العاشق ، الصوفي ، المبدع ، المناضل ، والشهيد) قناعاً ، ورمزاً ، ونموذجاً للتعبير عن رؤيا ما ، أو موقف ما من خلال الاقتراب من هذا الآخرـ تراثياً أكان أم معاصراً ، وملامسته ، والحلول فيه ، أو من خلال التعيّن في كل زمان ومكان بأشكال أكثر نضارة وعذرية ، حسب تعبيره.







ويتفق معظم دارسي شعر البياتي على أنه "شاعر الرؤيا" بامتياز ، على الرغم من اختلافهم في فهم ، أو تحديد دلالة مصطلح "الرؤيا" ، وتمييزه عن مصطلح آخر ملاصق له هو مصطلح "الرؤية". إن الرؤيا أقرب ما تكون إلى معنى"الكشف" ، وعندما يصبح الشعر رؤيوياً فإنه يكشف ، ولكنه لا يكشف إلاّ بمعاييره هو وبأشكاله هو ، فالحياة "لا تتحقق إلاّ حين يسلم الفرد نفسه لصورة عظمى يجسّدها النموذج البدئي على صورة قناع ضد النفس ليكمل ذلك الفرد هويته ، ويعبر عن الفردي الواقعي إلى النموذج البدئي المثالي عند العمق السيكولوجي الذي يجعلنا نرغب في تكرار أنماط أسطورية تطل علينا من وراء الحياة"(1).







وفي ضوء هذا المعنى فإن النماذج التي انتقاها البياتي لم يقدّمها في شعره كما هي في الواقع ، أو كما رسم ملامحها الآخرون ، بل كما رآها هو ليكشف عن الجوهري فيها ، ويلفظ كل العناصر الزائفة الأخرى التي ليس لها علاقة بها ، أي"أن النموذج عومل وكأنه فرضية علمية توجّب عليها أن تثبت لشتى الامتحانات في ظروف متنوعة تنوعاً بلا حصر"(2). وقد أفضت رؤيا البياتي للنموذج على هذا النحو من "الانزياح التشخيصي" ، إذا صح التعبير ، إلى أسطرته من خلال تحطيم أبنية الزمان والمكان المحيطة به ، وتجريده من عناصره التشخيصيّة ـ الفردية ، وتحويله إلى صورة كليّة متحرّكة قابلة للاندفاع إلى المستقبل ، والتقهقر إلى الماضي ، والظهور والتلاشي على طريقة التقنية السينمائية ، والمثول في صورة كائنات أخرى يختزنها العقل الباطن للشاعر ، أو تختلقها مخيلته التي تشكّل "الرؤيا". ويتخذ النموذج الإنساني هذا "أبعاداً ميتافيزيقية واضحة:





يمتد بظله على النص بأكمله ، ويحدد حركته ومداه" ، ومن ثم "يتقاسم البطولة معه [الشاعر] في النص الشعري موقع الراوي المناوئ له في كثير من الأحيان عبر حركة الرموز والإشارات المضادة"(3). وقد ذكر البياتي نفسه أنه أخذ الشخصيات ، أو النماذج في شعره كلحظات وجودية وليس كحالات تشخيصيّة(4). وفي كل الأحوال كان يختار هذه النماذج لتوافر السمة الدالة فيها ، واقترانها بتجربته في الحياة والشعر ، وقد يكون بعضها سلبياً ، أو هكذا يراه ، كما في حالة سلفادور دالي ، وأبي زيد السروجي (بطل مقامات الحريري) ، والاسكندر المقدوني. أما النماذج الإيجابيّة ، والتي تشكّل النسبة الكبرى ، فهي رموز استشرافية قابلة للتجدد والعطاء وتخطي نفسها والحلول في الآخر والتعيّن في كل مكان وزمان.







ولكن على الرغم من هذا البعد الرمزي والاستشرافي لنماذج البياتي ، كونها تمثّل قيمةً إبداعيةً وفكريةً ونضاليةً (شعراء ، فنانون ، روائيون ، مفكّرون ، وصوفيون) فإن من الخطأ الاعتقاد بأن الشاعر قد اتخذ منها جميعاً أقنعةً ، إذ أن ثمة قرائن نصية تشير إلى ما إذا كان النموذج قناعاً أو غير قناع ، ففي حال اتخاذ الشاعر من النموذج قناعاً يعمد إلى تقديمه بضمير المتكلّم ، أي أن القصيدة تأتي على لسان النموذج نفسه ، فيخلق الشاعر بهذه التقنية وجوداً مستقلاً عن ذاته ، رغم أن صوته يتماهى ، على نحو خفي ، مع صوت النموذج. وهذا يعني أنه لا يستعير صوته ، بل يعيره رؤيته عندما يجذبه إلى دنياه عبر عملية أسلوبية هي ترائي ـ أو تبادل الضمائر بين "أنا" و "هو".





ولأن هذا القناع "رؤيوي" في صميمه ، تصبح الشخصية المغايرة فيه مثل الشاشة البيضاء التي يعرض عليها المتحدّث صوته وصورته ، فهي مجرّد سطح حسّاس لاقط لضوئه الذي ينبعث دائماً من منظور الشاعر. ومن هنا فإن هذا القناع سرعان ما يستحيل إلى رمز ، ويقوم بوظيفة الشفرة التي يشكّلها الناطق ويبثها دلالته دون احتدام أو توتر ، الأمر الذي يجعلها تتمتّع بتماسك منطقي وشعري في أغلب الأحيان ، يؤسس لرؤية وحيدة مهيمنة على النص ومتجلّية فيه(5). ولكن البياتي يخرق هذه البنية في بعض الأحيان ، كما لو أنه يزيح القناع على طريقة أهل المسرح ، فينتقل من استخدام ضمير المتكلّم (صوت النموذج) إلى ضمير الغائب (صوت الشاعر الذي يروي) ، كما في المقطع الأخير (العودة من المنفى) من قصيدة (مرثية أخرى إلى ناظم حكمت) الذي يقول فيه:







ناظم عادَ، من يدق الباب؟

عاد من المنفى مع الطيور والسحاب

كان الصدى يزقو

وكان البحر في انتظاره

يدحرج الأحجار والأخشاب

ناظم عبر الأناضول ، فافتحوا الأبواب

وكان البياتي قد بدأ المقطع الأول (السحابة العاشقة) على لسان ناظم نفسه:

يتيمة الوطن

كنتُ ، وكان طائرُ الشجن

رفيق رحلتي إلى الكفن

كان صبايَ

حبيَ الأخير

طائري ، إذا ما أظلم الفنن

وفي قصيدة أخرى هي (عن وضاح اليمن والحب والموت) يلجأ البياتي إلى كسر نسق القناع بتقنية أكثر تعقيداً ، مستخدماً الضمائر الثلاثة (الغائب - المتكلّم - والمخاطب) منتقلاً من صوته (الراوي) إلى (صوت النموذج) على طريقة تبادل الأدوار في المسرح الانعكاسي (الميتا ثياتر) ، كما في الترتيب الآتي:







من المقطع الأول:

" يصعد من مدائن السحر ومن كهوفها وضاح

متوجاً بقمر الموت ونار نيزك يسقط في الصحراء" (ضمير الغائب)

من المقطع الثاني :

" لم أجد الخلاص في الحب ولكني وجدت الله" (ضمير المتكلّم)

من المقطع الثالث :

" قبلت مولاتي على سجادة النور وغنيّت لها موال

وهبتها شمس بخارى وحقول القمح في العراق" (ضمير المتكلّم)

من المقطع الرابع :

" من أين جاءت هذه الأشباح؟

وأنت في سريرها تنام يا وضاح" (ضمير المخاطب)

من المقطع الخامس :

" رأيت في نومي على نهديك نهر الموت يشق مجراه بلحم الصمت" (ضمير المتكلم)

من المقطع السادس :

" من قبل أن يولد في الكتب

وفي الروايات وفي الأشعار

عطيل كان كائناً موجود

تنهشه عقارب الغيرة يا وضاح" ( ضمير الغائب)

من المقطع السابع :

" عطيل في عمامة الخليفة

يواجه الجمهور

بسيفه المكسور" (ضمير الغائب)

من المقطع الثامن :

" لم أجد الخلاص في الحب ولكني وجدت الله" (ضمير المتكلم)

من المقطع التاسع :

" متُّ على سجادة العشق ولكن لم أمت بالسيف

متُّ بصندوق وأُلقيت ببئر الليل". (ضمير المتكلم) وقد حققت هذه التقنية تنوعاً أسلوبياً في البنية التعبيرية للقصيدة ، يمكن إدخاله في ما يعرف بالالتفات في حقل البلاغة ، وهو تقنية معروفة في الشعر العربي القديم تسهم في خلق الفجوة: مسافة التوتر في جسد النص ، حسب تعبير كمال أبو ديب ، وتمنح الشاعر حرية كبيرة في "المناورة" الشعرية ، و "التبئير" ، حيث تتعدد زوايا الرؤية الموجهة إلى النموذج ، وتكتسب "رؤيا" الشاعر بعداً موضوعياً متماسكاً على نحو ما نجده في بعض النصوص السردية الحديثة التي يجري فيها تبادل المواقع بين (السارد) و(الشخصية) في تحريك عجلة "الحكي" ، أو "الفعل السردي" وقد تنبه أحد النقّاد إلى توظيف البعد السردي في قصيدة النموذج (يقترح تسميته بصورة الكائن) في شعر البياتي ، متوصلاً إلى فرضية يتعيّن فيها "على الشاعر أن يقوم بتحريكه [النموذج] في الزمان حتى لا يستحيل إلى شيء استاتيكي جامد ، وذلك بعرض عدد من حالاته المتعاقبة عبر أحداث واضحة" ، ويضيف أن "السرد هنا يتخذ طابعاً شعرياً بفضل الإشباع الإيقاعي الذي يتكئ على البنية العروضية البارزة"(6).









وتنطبق هذه الفرضية تماماً على قصيدة (عن وضّاح اليمن) ، فالشاعر يصوره في بداية المقطع الأول متوجاً بالموت المحتم ، يقوده مصيره إلى الشام ، حيث مقر الخليفة الذي سيقوم بفعل "الموت" ، وهذه الحركة التي تفتتح بها القصيدة هي ، زمنياً ، حركة لاحقة في بنية الأحداث تتطلّب نوعاً من الاسترجاع (فلاش باك) المعروف في السرد الروائي والسينمائي ، ثم تنتقل كاميرا الشاعر إلى قلب الأحداث "تسقط عند قدميّ وضاح ـ يحملها إلى السرير امرأة تضج بالأهواء ـ تمارس الحب مع الليل وضوء القمر المجنون).







وهنا يلعب الشاعر لعبة استعارية شديدة الإيحاء والترميز حينما يخلق توازياً ، أو تقابلاً بين (قمر الموت) ، و(القمر المجنون) ، إذ تتشكّل ثنائية رمزية بين (الحياة) و(الموت) ، وذلك لأن (القمر المجنون) في سياقه النصي يأتي علامة تشير إلى اقتران (الجنس) بـ (الولادة) و(الحياة). ويستبطن الشاعر بعد هذه الحركة ما يعتمل في أعماق المحبوبة (زوجة الخليفة) حين "تفتح عينيها على رماد نيزك يسقط في الصحراء" ، ولا تخفى العلاقة هنا بين سقوط النيزك ، وسقوط وضّاح في البئر. وهكذا يعرض الشاعر لحالات متعاقبة ، أو متداخلة ، أو متوازية مع حالات مستحضرة (عطيل ودزدمونة) ، في حركات صاعدة أو هابطة زمنياً في بنية الأحداث.

وضمن هذا الفهم لقصيدة القناع تكون القصيدة التي يتحدّث فيها الشاعر بلسانه ، متخذاً (ضمير الغائب) في أغلب الأحيان ، و(ضمير المخاطب) ، في أحيان قليلة ، كوسيلتين للتعبير عن صوته ، ورؤياه للنموذج ، ذاكراً اسمه بشكل صريح ، مرّة ، وموحياً به مرّة أخرى ، تكون هذه القصيدة قصيدة نموذج فحسب ، لا تخلو من البعد الرمزي ، وليست قصيدة قناع.

إن الشاعر هنا لا يتماهى مع نموذجه ، ولا يعيره رؤياه ، ولا يقف خلفه مثل "إله خفي" ، ولا يستعير صوته ، على الرغم من أنه يلتقي معه في ثيمات عديدة ، تتصّل بالغربة ، والنفي ، والحلم ، والنضال ، والبحث عن الغد المشرق ، والهم الإبداعي ، والرؤية إلى العالم ، وغير ذلك من نقاط الإلتقاء. وينتقي البياتي ، عادةً ، محوراً أو أكثر من المحاور التي تبرز شخصية النموذج ، أو تفصح عن مواقفه ، أو إبداعه ، أو سلوكه ، أو الصراع الذي عاشه ، أو تجاربه في الحياة ، أو نضاله ، أو موته.





* ناقد وكاتب عراقي
الإحالات:





1 - عبدالوهاب البياتي ، ومحيي الدين صبحي ، البحث عن ينابيع الشعر والرؤيا (بيروت: دار الطليعة ، )1990 ، ص



68


2 - المرجع نفسه ، ص 95 3 - د صلاح فضل ، أساليب الشعرية المعاصرة (بيروت : دار الآداب ، )1995 ص 122 4 - عبدالوهاب البياتي ، ومحيي الدين صبحي ، المرجع السابق ، ص 70

5 د صلاح فضل ، المرجع السابق ، ص 182

6 - المرجع نفسه ، ص





المصدر
التوقيع:
والقدر يعيدني الى رابط الصداقة والعلم والمعرفة
*حمامة السلام* غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

الساعة الآن 08:51.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. , Designed & TranZ By Almuhajir