|
-
الطرق الصوفية المتواجدة بالأغواط إلى غاية القرن 19 م
:
-
تعريفها :
أقدم الطرق الصوفية التي ظهرت بمدينتنا هي الطريقة
القادرية ويرجع تاريخ تأسيسها إلى حوالي 6 قرون
حسب ما ثبت عن بعض أتباعها ثم تلتها الطريقة
الناصرية التي تعتبر نوعا من فروع الطريقة
الشاذلية وأبرز ممثليها بالأغواط هما على التوالي
الشيخ سيدي عبد الرحمن الفقيقي، الجد الجامع لعائلات
المغاربة من الفرع الأول، والشيخ سيدي عيسى الذي يعد
المؤسس الحقيقي لمدينة الأغواط الحديثة.
ومطلع القرن 19 م تأسست
الطريقة التجانية
التي عمت فيما بعد الأقطار الإسلامية وساهمت بفعالية
كبيرة في نشر الدين في أعماق القارة الإفريقية، وفي
سنة 1829م ظهرت
الطريقة الشاذلية الدرقاوية مع قدوم الشيخ
سيدي موسى بن حسن المصري الذي استقر بالأغواط إلى أن
توفي مجاهدا إبان مقاومة (الزعاطشة) يوم 28نوفمبر
1849م، وفي نفس القرن تم تأسيس الطريقتين
الرحمانية
والطيبية أو الوزانية.
وكل
هذه الطرق تعد فروعا سندها ثابت تتصل بطرق عريقة جامعة
نذكر من بينها على سبيل المثال الطريقة القادرية
والطريقة الشاذلية، ولم يذكر أن بني الأغواط ترددوا
يوما في احتضان هذه الطرق السنية ولعل سر ذلك يرجع إلى
الأسباب التالية.
_
إن التصوف يعتبره أهل المغرب العربي خاصة وأهل العقيدة
عامة جزءا لا يتجزأ من الإسلام السني.
_
جل مؤسسي الطرق الصوفية من أصل إدريسي ينتهي نسبهم إلى
الإمام الحسن بن الإمام علي _ رضي الله عنهما _
والسيدة فاطمة الزهراء، ولكن الغريب في الأمر أن هذه
العترة الطاهرة هي التي لقبها أنصار بعض المذاهب
الفكرية بالطائفة الضالة، وهل من المعقول أن تضل طائفة
طهرها الله سبحانه في كتابه المقدس «إنما
يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا»
وفرض محبتها على الأمة جمعاء «قل
لا أسألكم عليه من أجر إلاّ المودة في القربى».
_
إن الكثير من العائلات الأغواطية الأصيلة وكذلك بعض
القبائل المنتشرة في المنطقة إدريسية حسنية كذلك .
_
امتدادها التاريخي :
لقد
ظهرت فكرة الطرق الصوفية منذ القرن الأول الهجري مع
الإمام حسن البصري الذي نراه في صغره يتردد على أم
المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأخذ علمه والحقائق
التي أشار إليها فيما بعد الأمام علي كرم الله وجهه
وجعلته جل الطرق قمة هرمها الروحي.
وحمل من بعده هذه الفكرة رجالا اشتهروا في عصرهم
بالعلم الغزير وتقوى الله المنقطعة النظير، مثل مالك
بن دينار، والإمام سفيان الثوري ، صاحب المذهب الفقهي
المشهور، والمحدث الفقيه الإمام سفيان بن عيينة أستاذ
الإمام أحمد بن حنبل والذي قال عنه الأمام الشافعي :
(لولا مالك وابن عيينة لما كان علم الحجاز) .
ولم
يخل جيل من أمثالهم وأنجب هذا المذهب الروحي شخصيات
فذة سجل التاريخ أسماءها وعلومها وشمائلها ومواقفها
الشجاعة الإمام الحارث المحاسبي صاحب (الرعاية لحقوق
الله) الذي تصدى بقوة لنشر الفكر المعتزلي والإمام أبي
القاسم الجثيد البغدادي سيد هذه الطائفة وإمامها كما
لقبه شيخ الأزهر الشريف الدكتور عبد الحليم محمود
والذي كان يكرر دائما في مجالسه: «الطرق كلها مسدودة
على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول محمد صلى الله عليه
وسلم واتبع سنته ولزم طريقته ...» وحجة الإسلام أبي
حامد الغزالي صاحب (الأحياء) و (المنقض من الظلال)،
والإمام الفقيه المجتهد العز بن عبد السلام، تلميذ
الشيخ أبي الحسن الشاذلي، الذي بلغ من العلم مبلغا
يكاد لا يضاهي والأمير عبد القادر الجزائري والشيخ
سيدي موسى بن حسن المجاهد والمجاهد، والشيخ البشير
بلحاج الأغواطي قطب زمانه، والشيخ سيدي محمد بن الحبيب
الأمغاري مجدد القرن الرابع عشر هجري، وغيرهم لا يتسع
وقت المداخلة لذكرهم جميعا.
- امتدادها العقائدي:
وكل
هذه الطرق المتواجدة بمنطقة الأغواط بغض النظر عن بعض
الاختلافات الطفيفة المتعلقة بالجانب التنظيمي المادي
للزاوية فقط، تنهل من مورد واحد هو كتاب الله وسنة
رسوله الكريم مقتفية في ذلك أثر أهل السنة والجماعة،
وتدعو للتحلي بفضائل السلف الصالح قولا وفعلا وحالا .
وتعتبر بحق مرتكزا للتربية الروحية العالية والدعوة
الإسلامية الصحيحة ونشر الدين الحنيف في نواحي من
العالم لم يبلغها الفتح الإسلامي بنيت على الثبات على
مبادئ راسخة لا تخرج عن مقاصد الشريعة، فهي لا تدعو
إلى أي نوع من أنواع التطرف الفكري والديني ولا إلى أي
شكل من أشكال العصبية التي مزقت وحدة المسلمين وفرقت
كلمتهم كما أنها لا تكفر إطلاقا من نطق بالشهادتين
وجعلت من الانتماء الروي الإسلامي بديلا عن كل انتماء
ضيق آخر سواء كان قبليا أو عرقيا أو مذهبيا، بل ترى
أن مصطلح (الأمة أخرجت للناس) يعطيها من قداسة الروح
والتماسك المعنوي ما يجعلها خير أمة أخرت للناس وهى
الأمة الوسط التي حقق وجودها مراد المولى سبحانه في
هذا الكون ولهذا وجب تعظيمها ومحبتها.
كما
أن من غاية هذه الطرق الحفاظ على موروث عقائدي قداسي
مشترك عبر الأجيال والعصور يجعلها لا تختلف أصلا في
جوهرها مما أدى بها إلى تكتل جهادي يحفظ للأمة كيانها
كلما أحدق بها الخطر في شتى مراحل التاريخ الإسلامي.
وهذا الموروث العقائدي المشترك الذي جعلته
الطرق الصوفية بالأغواط أساس نشاطها يتمثل في:
-كتاب الله المقدس.
-السنة النبوية الشريفة .
-العقيدة الأشعرية التي صححت الفهم وأبعدت كل شبهة أو
شك أو شرك.
-المذهب المالكي كمدرسة فقهية سائدة بالمغرب العربي
قاطبة.
التربية الروحية التي يمتاز بها أهل السنة والجماعة عن
غيرهم من الطوائف الأخرى الخوارج والروافض والقدرية...
الذين ينسبون لأنفسهم الفعل والمشيئة والخلق والتقدير.
وفي
الأخير أريد أن أختم هذه الرسالة بقولين لعالمين
مشهورين، الأول للإمام أبي حامد الغزالي، والثاني
للدكتور عبد الحليم محمود.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه المنقذ من
الضلال :
"... وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن
إحصاؤها واستقصاؤها والقدر الذي أذكره لينتفع به، أني
علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى
خاصة وأن سيرتهم أحسن السير وطريقتهم أصوب الطرق
وأخلقهم أزكى الخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكماء
وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء لغيروا شيئا
من سيرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس
وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به."
ويقول الشيخ عبد الحليم محمود في كتابه المذكور آنفا:
«... لا يدع الصوفية إلى أن يكون الناس جميعا متصوفين
...فإنهم يعملون جهدهم للوصول إلى المجتمع أسمى، أنهم
يريدون أن يسود بين جنبات المجتمع جو من الروحانية
والرحمة والمحبة يجعل الناس متعاونين، متكاتفين».
مقالات في التاريخ الثقافي لمدينة الأغواط
جمع وتنظيم وتنسيق خالد بوزياني
أعمال الملتقى الأول 14-16 أفريل 1998م |